تستر اصحاب العقارات على المخالفين لنظام الاقامة والعمل ظاهرة متكررة في كافة انحاء المملكة، وتبدأ المشكلة بالتقاء رجل وامرأة بعقد زواج شرعي وتنتهي “ بقبيلة” كاملة تسكن المبنى المستأجر، يظهرون ويختفون (كالأشباح) وفجأة تكشف الحملات الأمنية المستور، والسؤال: من المسؤول عن هذه الظاهرة.. هل هو صاحب المبنى الذي ينبغي ان يفتح عيونه جيدا قبل ان يقوم بتأجير منزله؟ أم الجيران الذين يتوجب عليهم الابلاغ عن أي حركة مُريبة بالجوار؟.. هل هو الطمع الذي يعمي عيون الكثيرين ويجعلهم يقدمون مصلحتهم الشخصية على المصلحة العليا للوطن من أجل حفنة ريالات أم ان المشكلة تكمن في عدم تطبيق النظام؟
ومهما كانت الأسباب التي تدفع ببعض ملاك العقارات لتأجير منازلهم لاشخاص مجهولي الهوية ومخالفين لنظام الاقامة والعمل، تظل قضية تستر اصحاب المنازل والشقق والبيوت الشعبية على المخالفين من القضايا الشائكة التي تشكل هاجسا للمواطنين والمسؤولين في مختلف الأجهزة الأمنية لما يترتب على هذا التستر من آثار سلبية منها أن إيواء هؤلاء المخالفين في منازل يحولها البعض الى مصانع للخمور وأوكار لممارسات لا اخلاقية وممارسة اعمال السحر والشعوذة والدجل والمطابخ لوجبات تفتقر لأبسط الشروط الصحية ومشاغل ومستودعات لتخزين المسروقات والمواد الغذائية منتهية الصلاحية وتمرير المكالمات الدولية وغيرها من المخالفات وليس آخرها ارتكاب مختلف الجرائم!!


تبدو الظاهرة في أبرز تجلياتها في مدينة جدة باعتبارها بوابة القادمين للحج والعمرة “وملاذهم الآمن” بعد انقضاء المناسك حيث يتخلفون عن المغادرة لأوطانهم من أجل ايجاد فرص عمل لا تتوفر في بلدانهم التي قدموا منها فيحتالون على الأنظمة بواسطة مقيمين من ابناء جلدتهم للحصول على مساكن تؤويهم أو يجدوا من ملاك العقارات من يقوم بايجارها لهم وحتى وهم لا يحملون اقامات نظامية!!
ولا تقتصر الظاهرة على مدينة جدة وحدها فهناك عدة مناطق تعاني من المشكلة في عسير وفي مكة المكرمة وفي المدينة المنورة وفي جازان خاصة في الأحياء العشوائية في العشيماء والجبل والسوق الداخلي بجازان، وصليل والخالدية ومنامه في صبيا وغالبية أحيائها، وقرى أحد المسارحة والطوال كون هذه الأحياء تعتمد في الأساس على نظام التأجير الفردي والعشوائي ولهذا تظهر الكثير من المخالفات حد ارتكاب الجرائم.
830 ألف مخالف
في آخر احصائية أمنية كشف عنها مدير عام الجوازات اللواء سالم البليهد ان المديرية العامة للجوازات قبضت على 830.071 عاملا مخالفا في عام 1426هـ بينهم 331.730 متخلف عمرة من مختلف الجنسيات (72) جنسية.
وفي تقرير لهيئة الخبراء بمجلس الوزراء اوضح ان أكثر من نحو مليوني معتمر قدموا الى المملكة خلال الأعوام السابقة يتوزعون على عدد من مناطق المملكة.
فيما تضمن تقرير وزارة الحج احصائية تبين ان عدد المعتمرين الذين تخلفوا عن المغادرة الى بلدانهم خلال عام 1405هـ بلغ 213 ألف معتمر، وكشفت الحملات الأمنية في عدد من أحياء محافظة جدة خلال عام عن القبض على أكثر من 70 ألف من العمالة المخالفة لنظام الاقامة في المملكة وضبط مئات القضايا التي تتضمن الاتجار وتعاطي المخدرات ومصانع للخمور وأوكارا لممارسة الدعارة والأعمال المنافية للآداب وحيازة الأفلام والديسكات التي تحتوي على مواد مخلة وغير ذلك من المخالفات.
وقد تركزت تلك الحملات على الأحياء المعروفة بتزايد عدد المقيمين فيها من مختلف الجنسيات والذين يحترف الكثير منهم مخالفة القانون وارتكاب الجرائم.
15 شقة للرذيلة
وكأمثله على المخالفات التي حدثت في مدينة جدة أنموذجا أسفرت حملة أمنية تعد الأكبر من نوعها بتاريخ:
26/1/1427هـ طالت أحياء عنكيش ومشرفة والهنداوية والبخارية وكيلو 6 شارك فيها أكثر من 623 من الضباط والأفراد من الشرطة والأمن الوقائي والمباحث الجنائية والدوريات الأمنية، وتم خلالها تفتيش 534 منزلا منها عمارة تضم 15 شقة مخصصة للرذيلة حيث قبض على عدد كبير من الفتيات لا تتجاوز اعمارهن 15 سنة برفقة سيدة في العقد الخامس من عمرها تقطن في الدور الأول زعمت انهن حضرن منذ أيام بحثا عن عمل، فيما قبض على 23 امرأة من جنسيات افريقية زعمن انهن يعملن خادمات في المنازل بنظام الساعات برواتب مقطوعة اضافة الى ضبط 1676 مخالفا لأنظمة الاقامة والعمل ومتخلفا من الحج والعمرة عثر بينهم على 19 مطلوبا جنائيا وكان من بين المخالفين من يمارسون جرائم شتى من بينها الدعارة وبيع المسكرات وتداول أشرطة خليعة، علاوة على خالفات وجرائم مخدرات اخرى كثيرة ومماثلة في أحياء الربوة والعزيزية والكرنتينة والسلامة والروابي والحرازات وصناعية الاسكان.
450 خادمة هاربة
وفي 8 ربيع الآخر من العام نفسه تمكنت جوازات جدة من القبض على 450 خادمة من الهاربات من كفلائهن فضلا عن متخلفات عمره من الجنسية الاندونيسية. والقاسم المشترك في كل هذه الجرائم والمخالفات ان مرتكبيها يسكنون بيوتا بطرق غير مشروعة وقد تم التستر عليهم بطريقة أو اخرى!؟
في سياق ذلك يكشف مستأجر اثيوبي في حي السبيل بجدة ان هناك بعض الملاك ممن يقوم بتأجير منزله الشعبي على شخص مقيم فيقوم بدوره بالتأجير لمخالفين من بني جلدته قد يتجاوز عددهم العشرة احيانا.
وهناك من الملاك من يقوم بتأجير منزله على كل من هب ودب دون التأكد من أن المستأجر يحمل اقامة نظامية من عدمها وهؤلاء هم الغالب بين الملاك الذين لا يهمهم سوى قبض الايجار أول كل شهر وحين تأتي الجوازات تقبض على هؤلاء فيما يهرب البعض أو يخلوا منازلهم قبيل الحملة ولذلك تراهم يهيمون في الشوارع وتحت الكباري والحقيقة ان هؤلاء ما كانوا ليجدوا منازل تؤويهم لولا ان هناك من اصحاب العقارات من يقوم بتأجير منازلهم لهم وهؤلاء هم من يتحملون المسؤولية، خاصة ان معظم هؤلاء يسكنون بطريقة مباشرة من صاحب العقار دون اللجوء الى مكاتب تأجير العقارات ويبررون سلوكهم غير النظامي هذا بأن هؤلاء عمال بسطاء يبحثون فقط عن لقمة العيش غير آبهين لما قد يترتب على مخالفتهم للنظام من آثار سلبية ومخاطر تنعكس على أمن المجتمع وسلامته!!
مصنع للخمور
سمير محمد يكشف ان احدهم قام بتأجير مسكنه الشعبي باحدى قرى محافظة صبيا لمجهولين من الجنسية الاثيوبية الا ان هؤلاء حولوا المسكن الى مصنع للخمور اكتشفه جار لهم اكتشف براميل الخمر من أعلى سور المنزل فأبلغ عنهم الشرطة والجوازات حيث تم ترحيلهم فورا وتعرض صاحب المنزل الى مساءلة من قبل الجوازات.
مكتب العقار
ولمعرفة الرأي الآخر في هذه القضية الذي يمثله اصحاب العقارات انفسهم يقول علي الجهني صاحب عقار: ان ظاهرة التستر بلا شك ظاهرة خطيرة يتحملها صاحب المبنى أو الشقة ومكتب العقار فحسب شروط عقد الايجار ان يكون الشخص المستأجر سعوديا أو مقيما اقامة نظامية.
ويرى ان مسؤولية مكتب العقار تنتهي عند كتابة عقد الايجار أما من يسكن العقار بعد ذلك فهي مسؤولية صاحب المنزل وعند حدوث مشكلة أو أي خلاف يقوم مكتب العقار بابراز العقد الذي تم بموجبه تأجير العقار ولكن المشكلة الحقيقية تقع عندما يقوم المستأجر الذي وقع عقد الايجار بموجب اقامة نظامية باسكان آخرين من بني جلدته أو غيرهم ممن تربطه بهم علاقة ما بدون اقامات نظامية خاصة اذا كانوا عزابا حيث تجد المنزل مكتظا بالسكان.. هنا تقع المسؤولية على صاحب العقار والجهات الأمنية لأن من شروط العقد الا يقوم المستأجر باسكان آخرين معه مخالفين لأنظمة العمل والعمال. ويؤكد على عدم مسؤولية المكتب العقاري في أي مخالفات تقع.
علي عبدالرحيم الذي يرى ان دور العاملين في مكاتب العقار متابعة اعمال مكاتبهم وليس متابعة الساكنين.
الملاك والعمد والعرفاء
احمد عبدالرحمن عسيري صاحب مكتب عقار في جازان يرى ان المشكلة تكمن في اصحاب المباني الذين يقومون بتأجيرها للمجهولين دون الرجوع الى مكاتب العقار والتي ترفض إيواء المجهولين في المباني السكنية التي تقع تحت مسؤولياتهم وعادة ما تكون المنازل التي يقوم اصحابها بتأجيرها بأنفسهم منازل متهالكة ويكون همهم الوحيد قبض الايجار بغض النظر عما يترتب على ذلك من أخطار!!، فيما يرى الشيخ حسن مفرح غزواني ان مسؤولية ذلك تقع ايضا على عمد الأحياء وعُرفاء القرى من حيث متابعة المستأجرين والتأكد من هوياتهم الا ان محمد مفلح القحطاني احد اصحاب المكاتب العقارية يرى ان بعض اصحاب المكاتب العقارية قد يتحملون المسؤولية وذلك لتواطئهم وخيانتهم الأمانة وتسهيل مهمة هؤلاء في الحصول على السكن، وكذلك يؤكد مرعي عسيري صاحب عقار ان المسؤولية الأكبر تقع على عاتق اصحاب مكاتب العقار واصحاب العقار مشددا انه لا ينبغي على مكاتب العقار المساومة على أمن الوطن وأنظمته!!
آثار اجتماعية
عن الآثار الاجتماعية لظاهرة التستر على المخالفين يرى الدكتور محمود كسناوي أستاذ علم الاجتماع بجامعة أم القرى ان المتخلفين يؤثرون على البنية الاجتماعية والتنموية للبلاد ويشكلون عبئا على مرافق الخدمات فضلا على ارتكابهم لمختلف الجرائم ونقلهم العادات السيئة والسلوكيات السالبة التي قد يتأثر بها الاطفال والشباب والكبار مما يؤثر سلبا على القيم الاجتماعية ذلك ان المجتمع لا يستطيع المحافظة على سلوكه وقيمه طالما هذه الفئة تشاركه الحياة.
خيانة وطنية
ولمعرفة رأي المسئولين حول الظاهرة يشير مدير الجوازات بمنطقة مكة المكرمة العميد محمد الأسمري الى العقوبات التي تطال اصحاب العقارات ممن يقومون بإسكان هؤلاء المتخلفين وهي عقوبات مشددة تصل الى حد السجن والغرامة المالية (لا تتجاوز 10 آلاف ريال) وسحب الترخيص مؤكدا ان التخلف ظاهرة سنوية أكثر ما تكون في منطقة مكة المكرمة في جدة ومكة والطائف بحكم أنها الأقرب لبقاء المتخلفين والذين عادة ما يسكنون الأحياء الشعبية حيث تم القبض على اعداد كبيرة منهم.
ووصف الأسمري التستر على المخالفين وإيواءهم بأنه خيانة في حق الوطن وان الجهات الأمنية لن تقضي على الظاهرة لوحدها ما لم يكن هناك تعاون من المواطنين في الابلاغ عنهم وعدم ايوائهم أو تشغيلهم ذلك ان معظم الجرائم تعود الى ظاهرة التخلف.
وفي اطار المعالجات لهذه الظاهرة يؤكد مدير جوازات جازان العميد عبدالله بن سليمان الجهني ان جوازات المنطقة أعدت منذ شهرين خطة موسعة لتوعية جميع شرائح المجتمع بالمخاطر التي ينطوي عليها تشغيل وايواء المخالفين من النواحي الصحية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية وذلك عبر برنامج توعوي لشيوخ الشمل والعرفاء ويساعد هذا البرنامج في توعية ميدانية عبر المنشورات والملصقات في الشوارع والميادين العامة والمحلات التجارية.
الا ان مدير جوازات عسير العميد سعد بن أحمد زياد لا يرى ان مشكلة التستر على المخالفين في عسير ترقى الى مستوى الظاهرة، ذلك انه وبحكم التكوين الجغرافي للمنطقة كمنطقة حدودية وجبلية لا يلجأ المتسللون ومجهولو الهوية الى السكن النظامي بل يقطنون الجبال والعشش والكهوف وعلى الرغم من ذلك تقوم الأجهزة الأمنية بحملات مستمرة للقبض عليهم ولا تتوانى في تطبيق أقسى العقوبات على المستهترين الذين يساومون على أمن الوطن من أجل مصالحهم الشخصية.