إذا كان لمواطن عادي مثلي أن يختزل في كلمة واحدة أبرز ما يُميِّز عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، فسوف أختار حتما كلمة «الحب»؛ نعم إنه الحب الذي يختزنه قلب المليك المحبوب تجاه شعبه، ويُكنّه الشعب المخلص للملك الصالح، الحب هو ما ميّز السنوات التسع التي انقضت منذ أول يوم تولى فيه خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - مقاليد الحكم، وبعد أن بايعناه ملكاً أصبح ولي أمرنا، ورمز دولتنا، وراعي نهضتنا، وقائد النهج الإصلاحي في البلاد.
وانطلاقا من الحب والخير اللذين يسكنان قلبه الكبير، خطا بنا الملك الصالح إلى الأمام مسافات شاسعة نحو المستقبل المشرق، والتحديث، والمدنية؛ واضعاً نصب عينيه أهدافاً كبرى تمحورت حول بناء الإنسان، والارتقاء بمستوى المعيشة، وتعزيز الأمن الداخلي، وتوطيد اللحمة الوطنية، حدث ذلك في بضع سنوات فقط لا تعتبر طويلة في عمر الزمن ولكنها قطعاً فلكية بمعايير من نوع آخر، معايير مختلفة، تتعدى الحسابات والمؤشرات القابلة للتحليل والقياس لأنها تنطلق من الحب المتجرد، والوفاء النادر، والثقة المتبادلة، وهي خصائص وقيم إنسانية سامية يندر أن يجود الزمان بمثلها بين ملك وشعب.
وإذا كان هناك ثابت ومتغير في الأوطان فإن ثابت بلدنا هو حرص عبدالله بن عبدالعزيز على مصلحة إنسان هذه الأرض المباركة؛ أما المتغير فهو نمو هذا الحرص في قلب المليك على الدوام.. حرصٌ تجلَّى في مواقف إنسانية كثيرة أكد فيها مليكنا انحيازه للمواطن أينما كان على رقعة الوطن؛ من أعالي جبال السراة إلى سواحل الخليج، ومن نفود الربع الخالي إلى سهول الحجاز، ومن هضاب نجد إلى الحدَّين الشمالي والجنوبي.
وإذا كان السعوديون مثلهم مثل جميع شعوب العالم؛ تتفاوت آراءهم، وتختلف قناعتهم، وتتباين توجهاتهم السياسية ومذاهبهم الفكرية، إلا أن ثمة أمراً أجمعوا عليه وعبَّروا عنه بصوت عالٍ وفي كافة المناسبات؛ ذلك الأمر هو ولاؤهم لشخص مليكهم، وتمسكهم ببيعتهم له، ووقوفهم خلفه، وتأييدهم لكل ما يتخذه من مواقف وسياسات وقرارات ومبادرات، ومن الطبيعي أن ذلك لم يأتِ من فراغ أو نتيجة مداهنة أو رياء بل هو نتاج حتمي لما لمسوه من نقاء سريرة المليك، وعدل ميزانه، وكرم أخلاقه، وطيب سجاياه.
وقد اصطف المليك المحبوب مع مواطنيه في مطالبة كبار مسؤولي الأجهزة الحكومية بسرعة إنجاز المشروعات وإتقان الأعمال، بل إنه حفظه الله كانت له مواقف لا تنسى مثل قوله للوزراء «أطلب منكم أن مكاتبكم لا تحطون عليها بواب» كما خاطبهم بقوله: «أتمنى منكم يا إخوان الجد والاجتهاد والمسؤولية لأن هذه أمانة من عنقي لعنقكم»، وكذلك مقولتيه الشهيرتين القويتين حول جهود مكافحة الفساد حيث أكد قائلا: «سأضرب بالعدل هامة الجور والظلم» وتحذيره القوي بأن سيتم أخذ الحق مِن أي «كائن من كان».
ولعل من أبرز البشائر التي ميِّزت - ولا تزال - عهد خادم الحرمين الشريفين هو الخير العميم الذي أفاءه الله على البلاد منذ توليه الأمر؛ فها هي الاكتشافات الجديدة من النفط والغاز تتوالى تباعاً، وأسعار البترول تحلَّق لمستويات قياسية، وميزانياتنا تحقق زيادات ضخمة عاماً بعد عام، والدين العام ينخفض على نحو كبير، مع ارتفاع هائل في حجم مخصصات التعليم والصحة والمواصلات والإسكان وغيرها من الخدمات الأساسية التي تحقق تطلعات المواطنين.
والمؤكد هو أن الجيل الحالي من السعوديين سيذكرون للمليك مواقف كثيرة أسعدهم فيها وغرس السرور في نفوسهم، وخفف عن كواهلهم بعض أعباء الحياة كأوامره -حفظه الله- الخاصة بصرف راتبين للموظفين بعد عودته من الرحلة العلاجية، وتثبيت بدل غلاء المعيشة، وتخفيض رسوم بعض الخدمات الحكومية، وزيادة مخصصات الضمان الاجتماعي، هذا إضافة إلى أمره الكريم بدعم مشاريع الإسكان، وتوفير المزيد من فرص العمل للشباب، وتطوير مرفقي القضاء والتعليم، وبناء المزيد من المستشفيات، وتخصيص مبلغ ضخم للنهوض بقطاع المواصلات العامة، ودعم تطبيقات الحكومة الإلكترونية.
وعلى الرغم من كثرة الأيادي البيضاء لخادم الحرمين الشريفين والتي من الصعب حصرها لكثرتها إلا أنني أعتقد أن العلامة الأبرز في عهده هي النهج الإصلاحي الذي أسس له المليك وأسهم إلى حد كبير في حسم الكثير من الموضوعات الجدلية، وتحديث البنية الهيكلية للدولة على نحو يستجيب لمتطلبات العصر والمتغيرات المتسارعة اقتصاديا واجتماعيا؛ فكانت هيئة البيعة هي إحدى أبرز ثمار نهج الملك الصالح لأن إنشاءها عزَّز الاطمئنان على المسار السياسي للبلاد وأوجد آلية سلسة وواضحة ومقننة لانتقال السلطة.
ويبدو أنه ليس هناك ما يضاهي كرم الملك المحبوب وتلقائيته، سوى حكمته وحنكته السياسية التي تجلَّت في مواقف كثيرة كان من أحدثها اعتذار المملكة عن عدم قبول عضوية مجلس الأمن حتى يتم إصلاحه، الأمر الذي لفت أنظار المجتمع الدولي إلى قضية ازدواج المعايير في مجلس الأمن، أيضاً فقد أدت حصافة الملك قبل ذلك مراراً إلى تجنيب بلادنا القلاقل والفتن والاضطرابات التي عصفت بعدد من الدول العربية في السنوات الثلاث الماضية، وهو ما جعل كبار الساسة الدوليين يثنون عليه وكان آخرهم الرئيس الروسي فلاديمر بوتين الذي وصف خادم الحرمين الشريفين قبل أيام بقوله «إن الملك عبدالله بن عبدالعزيز ذكي ومتزن للغاية».
كما لعب - رعاه الله - دوراً كبيراً في رأب الصدع وحل الخلافات سواء بين الدول الشقيقة أو بين القوى السياسية المختلفة في بعضها، وكان من أبرز نتائج ذلك هو إطلاقه لمبادرة إعادة الاستقرار لليمن الشقيق خلال فترة ما بات يُعرف بالربيع العربي.
ولا شك فإن التعليم كان - ولا يزال - من أبرز اهتمامات الملك عبدالله حيث ارتفع عدد الجامعات في عهده إلى 38 جامعة، ما بين حكومية وخاصة، منها التعليمية والتطبيقية والبحثية، وتتصدر الأخيرة جامعة «كاوست» التي وفَّر لها الملك كافة أسباب التفوق في مجال البحث العلمي باعتماده ميزانية كبيرة لها، الأمر الذي مكَّنها من استقطاب أفضل الباحثين في شتى مجالات العلوم من داخل المملكة وخارجها.
أما أبرز إنجازات مليكنا المحبوب - في تقديري - فهي إطلاقه لبرنامج الابتعاث الذي اعتبره أحد أهم مبادراته الإصلاحية وواحداً من أكبر خطوات تحديث البلاد منذ تأسيسها، وذلك من خلال الاستثمار في الإنسان السعودي الذي هو محور التنمية وهدفها الأبرز.
وكيف لا يكون البرنامج كذلك وهو يستوعب حالياً نحو 170 ألف طالب وطالبة من أبناء البلاد، يتلقون أحدث العلوم والمعارف في أكثر دول العالم تقدماً، وسوف تسهم عودتهم - إن شاء الله - مؤهلين بسلاح العلم، وانخراطهم بالعمل في مختلف مرافق الدولة والقطاع الخاص في إحداث نقلة هائلة من شأنها التسريع بمسيرة تنمية الوطن وتهيئته البلاد لمرحلة جديدة من التقدم والازدهار على كافة الأصعدة.
أيضاً لا يمكنني إغفال حرص المليك المفدى على الدفع بالمرأة السعودية إلى الأمام عبر تمكينها من تبوُّء مكانتها اللائقة في العديد من مفاصل الدولة وفي مقدمتها مجلس الشورى وبعض الوزارات، كما حظيت النساء السعوديات في هذا العهد الزاهر بتوسيع المجالات التي يمكن لهن العمل فيها بعد أن كانت حتى وقت قريب محصورة في قطاعي التعليم والصحة، كما تم تعزيز وضع المرأة في البلاد بصدور منظومة من القوانين التي لا يتسع المجال لذكرها والتي تمكِّنها من نيل المزيد من حقوقها التي كانت تجد بعض المعاناة في الحصول عليها.
وإذا كان هناك مايدلل على التسامح والوسطية والاعتدال في شخصية المليك فهو بالتأكيد نهجه الخاص بتشجيع الحوار على كافة المستويات من أجل تعزيز التواصل البنَّاء ومد الجسور بين أتباع كافة الأديان والحضارات والثقافات حيث أسفر ذلك النهج عن تأسيس المركز الدولي الذي يحمل اسمه للحوار بين أتباع الديانات والثقافات ومقره العاصمة النمساوية فيينا بعد أن حظيت مبادرته الخاصة بذلك والتي انطلقت من مكة المكرمة في عام 2008م خلال المؤتمر الإسلامي للحوار بتأييد المجتمع الدولي خلال انعقاد المؤتمر العالمي للحوار الذي عقد في العاصمة الإسبانية مدريد في نفس العام، وذلك قبل أن تحظى المبادرة بإجماع عالمي آخر من الأمم المتحدة في عام 2009م إبَّان الاجتماع العالمي في نيويورك والذي خصص لنفس الهدف.
ولأن من الصعوبة بمكان أن يحيط هذا المقال بكل مآثر ومزايا الملك المحبوب، فسوف أعرِّج سريعاً على بعض الإنجازات الكبرى في عهده الزاهر ومنها التوسعة الضخمة للحرمين الشريفين، والتوسع في إنشاء المطارات، والكثير من مشاريع البنية الأساسية، وإنشاء العديد من المدن الاقتصادية التي سوف تولدِّ مئات الآلاف من فرص العمل للمواطنين، هذا إضافة لتأسيس العديد من الأجهزة الحكومية الهيئات المعنية بالتقنين والإشراف على أداء مهام حيوية في البلاد؛ من أهمها هيئة «نزاهة» المعنية بتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، ومدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية والمتجددة، وهيئة الإعلام المرئي والمسموع، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، وهيئة الاتصالات وتقنية المعلومات.
وفي الختام، فإنني أشرف بأن أستجيب لطلب المليك المحبوب من مواطنية حينما خاطبهم بعفويته المحبوبة وتواضعه الجم قائلاً: (لا تنسوني من دعائكم)، لذا فإنني أتوجه إلى الله العلي القدير في هذه المناسبة السعيدة التي نستحضر فيها ذكرى البيعة بأن يحفظ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وأن يؤيده بالمزيد من التوفيق والسداد، وأن يسبغ عليه موفور الصحة والعافية، ليكمل بنا ومعنا هذه المسيرة الصالحة، إنه سميع مجيب الدعاء.