بعد أكثر من 30 مقالا وتأليف كتاب وتقديم أكثر من 30 ورشة عمل وملتقى ومنتدى في الوطن ودول الخليج والشام والأردن ومصر العربية والمشاركة في تأسيس المركز الوطني للمنشآت العائلية، كنت دائما فيها أعيب على الشركات العائلية أنها لم تستطع بالرغم من قوتها وحجم قدرتها على التأثير في أن تؤثر على السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية لأخذ واقعها وأهميتها إلى محمل الجد، خصوصا عند وجود الخلافات بين أفراد العائلة الواحدة داخل الشركة. إلا أن الوضع تغير مع السلطة التنفيذية، وبخاصة وزارة التجارة، فقد تغيرت الصورة مع معالي وزير التجارة والصناعة، والحقيقة أنني وبالرغم من حضوري اللقاء الذي دعا إليه مجلس الغرف السعودية، بحضور معالي الوزير، وبالرغم مما ذكره معاليه في ذلك اليوم، لم أكن أعتقد بأن الوزارة وهي جهاز حكومي سيكون أفضل وأسرع من الغرف ومجلسها، بل وأكثر جدية وحرارة في الاهتمام لمعالجة قضايا واهتمامات الشركات العائلية بأسلوب هادئ وواضح للعامة والخاصة من أصحاب المهن الحرة، وكان ذلك عندما أطلقت على دليل حوكمة الشركات العائلية وميثاقها الاسترشادي، وسواء أكان ذلك مترجما أو منقولا أو تم إعداده من خلال مكاتب استشارية أو مسؤولين بالوزارة، فيجب أن أقول إنها وثيقة متقدمة ثرية واضحة جامعة شاملة لكل وجميع شؤون وشجون ومشاكل الشركات العائلية في السعودية وشقيقاتها بدول الخليج العربي، وأيضا معظم الدول العربية.
لقد أوضح الدليل مفهوم الشركة العائلية وأشكالها وعوامل التأثير والمخاطر الداخلية والخارجية والهيكلة القانونية والتجارية، وتناول فصل الملكية عن الإدارة وصياغة ميثاق الشركات.
وأكثر ما شدني هو ما جاء نصا أن إعداد الميثاق ليس عملا عائليا خالصا في كل حال، وقد يقتضي الأمر في كثير من الحالات الاستفادة من رأي ومشورة وخبرة مختصين عند صياغته، سواء من داخل العائلة أو الشركة العائلية أو من خارجها، ولا سيما في الجوانب النظامية (القانونية) ذات الصلة.
وهذا كان أهم مشورة للشركات والملاك بأهمية المشورة القانونية المتخصصة في شأن الشركات العائلية وأكبر دعم للمحامين والمستشارين القانونيين المؤهلين والمتخصصين في مواجهة الشركات والمكاتب المهنية الأخرى في الإدارة والمالية والمحاسبة الذين احتكروا تقديم الاستشارات للملاك والعوائل، بعضها أدى إلى الانهيارات التي تحدثت عنها وزارة التجارة وأدت إلى تدخل المقام السامي ووزارة التجارة لحماية الاقتصاد وإنقاذ الملاك وجميع العناصر المرتبطة بهم، وأصبح الآن واضحا أن هذه العملية يجب أن يقودها المحامون المؤهلون والمتخصصون في هذا الشأن، ولهم أن يستعينوا بالخبراء في الشؤون المالية والإدارية والمحاسبين كل فيما يخصه؛ لأنهم عناصر مساندة وليست أساسية في المشورة للشركات حول واقعها ومستقبلها كما هو معظم دول العالم.
والأهم أيضا فيما جاء في وثيقة الوزارة التاريخية أن نموذج الشركات المساهمة المغلقة هو الأنسب للشركات العائلية حال توفر شروطها للشركاء، وإلا فإن جميع النماذج بما فيها القابضة والمسؤولية المحدودة يمكن أن تفي بغرض بقاء الشركة واستمرارها، وليس كما يروج البعض طوال السنوات الماضية بأن الأنسب هو تحول الشركات العائلية إلى مساهمة عامة، ليكون واضحا أنه من الطرق الممكنة شريطة توفر احتياجاتها لخدمة العائلة، وليس لدعم سوق المال، ولشكر الوزارة في هذا الخصوص حديث آخر.