لا يساوي حزن الأم على فلذة كبدها، إذا قدر الله عليه أمراً أي حزن، لذلك فإن رؤيتي أو استماعي لشكوى أية أم يغمرني بالألم، لإدراكي لما تحمله الأم من مشاعر الحنان واللهفة على أولادها. غير أن ما سمعته من هذه الأم بالذات حين أخبرتني عما حدث لابنتها بعد أن أصيبت في حادث حريق وأمسكت النار بملابسها، فإنني لم أشعر فقط بالألم والحزن، بل امتزجت في داخلي مشاعر الحزن مع مشاعر أخرى كثيرة ومختلفة، كالغضب وعدم التصديق وغيرها. وليس ذلك بسبب الحادث الذي حكت لي عنه وإنما لما تلا ذلك من خطوات اسعافها وعلاجها ولكي أوضح لكم الصورة أكثر سأحاول أن أختصر من هذه الحكاية الكثير من الأحداث والوقائع: بتاريخ 25/5/1427هـ حملت الفتاة إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي لأنه كان أقرب مكان للحادث، فأجريت لها اسعافات أولية فقط وذلك لعدم وجود وحدة لعلاج الحروق في المستشفى! وطلبوا منها التوجه إلى إحدى وحدتي الحروق الوحيدتين في مدينة جدة! الأولى بمستشفى الملك فهد والثانية بمستشفى الملك عبدالعزيز بالمحجر، وأخذت الفتاة المحترقة إلى مستشفى الملك فهد، وشخصت الحالة بأنها حروق من الدرجة الثانية ونومت بقسم العناية المركزة.. وهنا تبدأ معاناة الأم لمدة بلغت ثلاثة وعشرين يوماً, طالبوها بإحضار المسكنات والمراهم وغير ذلك مما تحتاجه من أدوية لعدم توفرها بالمستشفى, مستوى العناية والنظافة سواء ما يخص المكان أو الفتاة نفسها كان متدنياً جداً, الكرسي المتحرك الوحيد في القسم كان يعلوه الصدأ وكانت توضع عليه الفتاة لتنقلها من الغرفة إلى الحمام, من الصور التي تدل على عدم الاهتمام بنظافة المريض أو الأدوات التي تستعمل لعلاجه: - يعاد استعمال الأواني البلاستيكية التي يوضع فيها الدواء بدلاً من التخلص منها كل مرة كما هو مفترض, - إذا وقعت إحدى الأدوات على الأرض كالشاش والقطن تلتقطها الممرضة وتعيد استعمالها مرة أخرى. بل إن إحدى الممرضات جاءت في إحدى المرات وفوق ملابسها (صرصور!!!), - عندما توجهت إلى أحد الأطباء المعالجين لتشتكي له قال لها لابد أن تتغاضى لأن الميزانية لا تسمح بأكثر مما ترين!! كما توجهت إلى المسؤول عن الإشراف عن النظافة لتشتكي له من سوء حالة النظافة في القسم فأجابها بأنه لم يذهب لهذا القسم منذ حوالى عشر سنوات لتأكده من أنه لابد أن يكون نظيفاً!! وبمرور الوقت ساءت الجروح حتى تعفنت ويشهد على ذلك كثير من أطباء الامتياز الذين تواجدوا في المستشفى في ذلك الوقت. وكانت الأم التي ترقب تدهور حالة ابنتها تلتقط صوراً فوتوغرافية للمكان وبعثت بها إلى مستشفى الحرس الوطني بالرياض الذين طلبوا منها سرعة إحضار الفتاة فطلبت من المستشفى إعطاءها تقريراً طبياً عن الحالة فأعطيت التقرير بأن الحروق من الدرجة الثانية، وفي يوم السفر كان عليها أن تتوجه إلى المطار مع ابنتها داخل إسعاف وكان موعد الطائرة الساعة الواحدة ظهراً إلا أنهم طالبوها بالتحرك من المستشفى الساعة العاشرة، فركبت مع ابنتها في سيارة الإسعاف التي كانت بدون تكييف مع ما في ذلك من ضرر على وضع الفتاة وجسمها المليء بالحروق مما اضطر الممرضة أن تقوم بالتهوية لها بأوراق التقرير، ولولا شفقة أحد الموجودين في المطار الذي حولها إلى إسعاف موجود بالمطار لظلت في السيارة تحت الحرارة الشديدة وهي بالحروق. على أية حال لقد وجدت الفتاة والأم في مستشفى الحرس الوطني بالرياض الرعاية والعناية الكاملة بعد أن ظلت في قسم العناية المركزة لمدة ثلاثة شهور أجريت لها عمليات مختلفة وهي تحمد الله على ما وصلت إليه حالتها الآن رغم ما تعانيه ليس مما حدث لها نتيجة الحادث بل من نتيجة الإهمال وعدم مراقبة الله في العمل. هل يعقل أن يكون مستوى أكبر مستشفى حكومي بهذا الشكل، وهل يعقل أن لا يوجد في مدينة كبيرة كمدينة جدة إلا وحدتان للحروق وغير مجهزتين لاستقبال هذه الحالات!؟ أضع هذه القضية «الحكاية» أمام معالي وزير الصحة ليضيفها إلى بقية الحكايات والقضايا الصحية: السرقات، الاختلاسات، إلى جانب مشاكل الأخطاء الطبية التي تتكرر يومياً فيما يفلت مرتكبوها من العقوبات التي يجب أن تردع كل من يخطئ وتكون عبرة لكل من يغيب ضميره في مهنة من أشرف المهن. إن الخير باق والشر يُنسى.. والديان لا يموت، افعل ما شئت فكما تدين تُدان.
ملاحظة: في الأيام الأخيرة أخلي قسم العناية المركزة المذكور من المرضى لتجديده وحول جميع المرضى إلى مستشفى الملك عبدالعزيز الذي أصبح هو المكان الوحيد في جدة كلها لاستقبال حالات الحروق!!
أخبار ذات صلة