وصلت دبي يوم الثلاثاء الماضي وأكتب هذا المقال وأنا مقيم في فندق به الحد الأدنى من لوازم الراحة، ولم آت دبي بغرض التسوق أو المساهمة في المشاريع العمرانية أو الترفيه، بل لقضاء إجازة قصيرة، وطوال الأيام التي قضيتها في الفندق لم أبارح غرفتي إلا «للشديد القوي»: مثلا الذهاب الى مطعم تفاديا لطعام الفندق الذي يباع بأسعار فلكية بعد إطلاق أسماء رنانة على مختلف الأطباق.. ربما يذكر بعضكم أنني بدأت الكتابة في عكاظ وأنا في الخرطوم ومن ثم قد يقول قائل: وش حكايتك بالضبط؟ عدت من إجازة في السودان قبل أقل من أسبوعين وتتكلم الآن عن قضاء إجازة في دبي؟ تساؤل ينم عن جهل، فقضائي لثلاثة أسابيع في السودان هو الذي جعلني أدلع نفسي وأدللها بـ«إجازة»… ثلاثة أسابيع من اللهاث والجري لابد أن تعقبها إجازة، و«أحلى» إجازة عندي هي تلك التي لا تكون ملزماً خلالها بفعل أي شيء.. أنام وأصحو على كيفي.. لا أشتري صابون غسيل أو بطيخ أو افتح الباب لعبد الفتاح الذي يداهمني بدون إنذار مبكر.. معي كتاب ألفه (بمساعدة صحفي نرويجي) الدكتور علاء بشير الذي كان طبيباً خاصاً للرئيس العراقي الراحل صدام حسين، ويحكي فيه معايشته لحقب دامية في تاريخ العراق والأعوام الثلاثين التي ظل فيها حزب البعث في السلطة.. فرغت من الكتاب في يوم ونصف اليوم.. ولم يعد لدي ما أفعله سوى القراءات الخفيفة ومشاهدة التلفزيون والنوم.. أدلل نفسي وأدلعها لعدة أيام أربع مرات في السنة بإجازات قصيرة، أخرج خلالها من رتابة الحياة اليومية وقواعد الانضباط التي تطلبها العمل.
أفعل ذلك لأن دول الخليج التي ظللت أقيم فيها لأكثر من ربع قرن شحيحة في العطل العامة.. ربما تعدها ترفاً بينما هي ضرورة لإزالة الصدأ عن النفوس، ولم شمل العائلات ومنح المحاربين في أماكن العمل «استراحات» بين الحين والآخر.. في معظم دول العالم تفبرك المناسبات لمنح العاملين إجازات قصيرة نحو ست مرات في السنة.. في بريطانيا مثلا هناك إجازات البنوك.. يتوقف العمل عدة مرات في السنة في تلك الإجازات التي لا تقتصر على البنوك.. ما الضير في ان يتوقف العمل في دول الخليج لستة أيام أخرى غير أيام الأعياد تحت مسميات مثل يوم العلم يوم السلام يوم الكلام يوم البطيخ.. أي يوم والسلام.. فالمهم هو ان ينال العاملون فسحة لشم الهواء بعيدا عن بيئة العمل.. وكل عمل يصبح مملا إذا مارسته لشهور متصلة بدون توقف.
أخبار ذات صلة