سألني صديق في الأسبوع الماضي: أليست هذه هي أختنا المذيعة المصابة بوعكة؟ إني أشاهد برنامجها المعروف الآن.. هل شُفيت ولله الحمد؟!
طرح الصديق هذا السؤال وهو يُشاهد إحدى قنواتنا المحلية، وفاته مشاهدة الجملة المعروفة (إعادة) التي تعلو الشاشة من الناحية اليمنى في هذه الأيام أثناء بث البرنامج.. المُعاد! أوضحتُ للصديق هذا الالتباس مع دعائنا للأخت بتمام الصحة والعافية.. لها ولكل مريض. لكن سؤال الصديق أثار في داخلي أسئلة مختلفة أخرى:
لماذا لم يستمر هذا البرنامج الذي كانت تذيعه أختنا المريضة في بثه المباشر كما كان قبل وعكتها، من خلال مذيعة أخرى أو مذيع آخر بدل إعادة حلقات قديمة له؟
هل من باب قلة الوفاء أن يستمر البرنامج قوياً ومُثيراً.. وحياً، وآخرون -أو أخريات- يقدمونه بدل زميلتهم حتىيمُنّ عليها الله بالشفاء؟ أم أن الوفاء والتقدير والمحبة الخالصة تتمثل جميعها في بقاء البرنامج -كما كانت ترغب طريحة الفراش- حديثاً للمجالس والمنتديات.. حتى وغيرها يُكمل ما بدأته المُفتقدة وكأن شيئاً لم يحدث؟
أنا أفترض أن الإجابة الصحيحة والمنطقية والسويّة هي بنعم على السؤال الثاني؛ وأن غير ذلك هو قمة الجحود وقلة الفطنة، بل إن في ذلك قصوراً عملياً كبيراً بحاجة للإصلاح السريع!
لا يُعقل -مثلاً- تعطُّل شركة طيران في حال تقاعد أو مرض كبير طياريها وأفضلهم! هل تتوقف غرفة عمليات هذا المستشفى أو ذاك عن العمل، كلما غاب نابغة الطب والجراحة، إما بسبب سفر أو لأمر طارئ آخر؟ ولا يمكن لطلبة جامعة أو معهد عالٍ قبول تبرير مهما كان، عندما يُقال لهم إن أحد أساتذتهم المشهود لهم بالتفوق قد أنهى تعاقده، وإنهم في إجازة لا يمكن معرفة نهايتها حتى تعويض هذا النقص الذي سيُؤخر تخرجهم، وجدول حياتهم العملية. الذي يدفع لهذه الإشكالية: تميّز إنسان واستثنائيته، هو يُؤدي واجبه في مواقع العمل المختلفة. لكن التميز الأعلى مرتبة في ظني وهو عندما يُؤسس هذا المتميز آلية عمل ناجحة في إدارته لا تتوقف لغياب أحد -حتى هو- مهما طال هذا الغياب واستدام.
وهنا لابد أن نعترف أن ما يمنع تبلور هكذا مواقف يرجع إلى اعتقاد المتميز ألا طارئ زمانياً يمكن أن يحدّ من نجاحه، ويمكن أن ندخل مفاهيم مثل: الوفاء والتعاطف والمساندة من قبل العاملين تحت إدارة هذا الاستثنائي في حال مرضه، أو توقف نشاطه لأسباب كثيرة.
ولا نغفل «الأنا» المتضخمة -أحياناً- عند الأفراد النوابغ إلى درجة الاعتقاد بأنه لا نجاح إلا بهم أو مع من يتعاطفون معه.. مهما كانت مبررات الإحلال والتعويض.
مساحة واحدة أرجو ألا تُطبق عليها هذه الرؤى المثالية.. المساحة المُعطاة لصاحب هذا المقال في حال غيابه!!