«فتة الملوخية» من الأكلات الصعبة التحضير، وهي تمثل قمة الإبداع في ممارسات تحضير الطعام فلا يجيدها إلا الطهاة المتميزون الذين يجيدون فنون الطبخ. والنهب الوطني الواسع النطاق من جانب آخر يمثل الممارسات الداكنة الصعبة، ولا يجيد فنونه الداكنة إلا القليل، ولن تجد مكانا في العالم يتفوق على الكونغو زائير في ذلك المجال. فهي تعادل «الفتة» المذكورة في مجال آخر بالكامل وهو مجال القسوة والظلم. وفي الجوالات بداخل جيوبنا الآن توجد خبايا يندى لها الجبين. الموضوع باختصار هو نهب وسرقة قد تكون الأكبر على مستوى تاريخ العالم. وكلها تنعكس في الهواتف التي نستخدمها يوميا، وإليكم بعضا من تفاصيلها المذهلة: بنهاية القرن التاسع عشر عندما تم احتلال الكونغو من قبل بلجيكا، تم تأسيس مستعمرتين هناك؛ الأولى كانت تتبع دولة بلجيكا، والثانية كانت تابعة شخصيا لملك بلجيكا المدعو «ليوبولد»؛ يعني الرجل أصدر ما يشبه «صك الاستحكام» على مئات الآلاف من الكيلومترات المربعة من الكونغو له شخصيا. والسر هو الثروات التي أنعم الله على تلك البلاد بها وبالذات الكوبالت، والنحاس، والذهب، والألماس.
وفي مطلع القرن العشرين ظهر معدن جديد على العالم كان له «شنه ورنه» لأن قيمته كانت تفوق قيمة الذهب، والفضة، وجميع المعادن مجتمعة بمئات المرات. والمعدن كان اسمه مشتقا من كواكب «يورانوس» في مجموعتنا الشمسية، وأطلقوا عليه اسم «يورانيوم». وبحلول الحرب العالمية الثانية، أصبحت قيمته تكمن في كونه أكثر العناصر الطبيعية إشعاعا، وكان المكون الأساس للقنبلة الذرية. وكان منجم «شنكو لوبي» في الكونجو هو المنجم الأهم في العالم آنذاك لأنه كان المصدر الأساس لليورانيوم. وكان النهب من قبل المستعمر بطرق تعكس القسوة في أقوى أدوارها. وتمر السنين، وتتبادل قيادة الكونغو أيد وعقليات مختلفة، ولكن المفاجأة الكبرى جاءت في مطلع التسعينات الميلادية فقد اكتشف العالم أحد أهم المعادن واسمه «كولتان» على وزن «فجعان»؛ واخترت هذه الكلمة لأنها فتحت مجموعة فصول جديدة في فنون الجشع، والقسوة، والنهب. «الكولتان» هو عبارة عن خلطة من معدنين أساسيين وهما «التنتالوم» و «النيوبيوم». وتحتوي أراضي الكونجو على معظم المخزون العالمي لهما. ويتمتعان بالعديد من الخصائص الفريدة لعدة أسباب ومنها تركيبتهما الذرية. وينعكس ذلك على مميزاتهما في مقاومتهما للحرارة، وقدرتهما على حفظ الطاقة الكهربائية لفترات طويلة. وهذه الخصائص مرغوبة جدا في تقنيات الاتصالات، وبالذات في احتياجات الجوالات.
وسبحان الله أن الكولتان كان ولا يزال متوفرا في الكونغو بيسر لدرجة أن استخراجه من التربة كان ميسرا للأشخاص العاديين فلم يحتج إلى تقنيات متقدمة، أو معدات مكلفة. وفتحت سهولة استخراجه الأبواب أيضا للمجموعات المسلحة للنهب السريع السافر لأرجاء البلاد على حساب الخسائر البشرية. وبلغة الأرقام، ستجد أن الحرب الأهلية في الكونغو قد كلفت البشرية تكاليف مخيفة: أكثر من خمسة ملايين قتيل خلال العشرين سنة الماضية، وكأنها مقرونة بشهية العالم للجوالات والدوائر الإلكترونية الحديثة بشكل عام. «كولتانا» من هنا، و «تانتالم» و «نيوبيوم» من هناك. وكأن معظم جوالات البشرية تحتوي على رائحة دماء ضحايا نهب بلاد المعادن الثمينة.
أمنيـــــــة
أستخدم جوالي كثيرا، وفي كل مرة يضيء هاتفي ويصيح، أتأمل في خباياه الداكنة. كم من القتلى والجرحى خسروا لأحصل على هذه المزايا؟ بصراحة كنت أكثر ارتياحا عندما كنت أجهل تلك الأمور. أتمنى أن نتعب أنفسنا لنكتشف مقدار العبث بنعم الله، وأهمها أرواح الأبرياء التي تنهب في العالم بشكل عام، وفي العالم العربي بشكل خاص بحجج الله أعلم بخباياها ومقاصدها.
وهو من وراء القصد.