لم أتفاجأ من إغلاق بلدية الحازمي في بيشة لأحد المسالخ الأهلية بسبب قيام عامل بسلخ ضبع «جعري»، وفتح تحقيق في الحادثة ــ بحسب ما نشرته «عكاظ» في صفحتها الأخيرة يوم أمس الأول، حيث أن لوائح الاشتراطات والضوابط الصادرة من وزارة الشؤون البلدية والقروية تشير حسب المادة الثالثة للاشتراطات العامة إلى «اقتصار الذبح في المسالخ الأهلية ونقاط الذبح على مواشي المواطنين فقط (الأغنام والماعز والإبل والبقر)»، وهذه الاشتراطات هي التي تلفت الانتباه حقا وتسلط الضوء على إعادة النظر فيها بسبب محدودية أنواع اللحوم المرخصة للذبح والسلخ.
فمن وجهة نظر خاصة، لم يكن تصرف أصحاب ذبيحة «الضبع» بأخذ هذا الحيوان إلى مسلخ مرخص بالأمر الخاطئ بل هو عين الصواب، لأن هذه المسالخ المصرحة تقوم بالفحوصات الأساسية قبل الذبح وبعد السلخ أيضا لضمان خلو اللحوم من الأمراض.
ثم إن لحوم الضباع (لمن لا يعلم) هي مباحة شرعا، فعلى الرغم من أن الضبع حيوان مفترس يعيش على أكل لحم الجيف وبقايا صيد وفرائس الحيوانات الأخرى، ويعتبر صيادا ماهرا أيضا متميزا بقوة فكيه الهائلة التي تسحق العظام بأنيابه ــ كما وصفه الدميري في كتابه الشهير (حياة الحيوان الكبرى)، إلا أن هذا الحيوان مستثنى، كما جاء في قول جابر بن عبدالله وابن عباس رضي الله عنهم، ومذهب الشافعي وأحمد، جميعهم استدلوا لذلك بحديث جابر ــ رضي الله عنه ــ أنه سئل عن الضبع أصيد هو؟ قال: نعم، قلت: آكلها؟ قال: نعم، قلت: أشيء سمعت من رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم. رواه الترمذي في «سننه» (851) ، والنسائي في «سننه» (2836)، وأبو داود في «سننه» (3801) ، وصححه جمع من المحدثين.
ولذلك فإن قضية إغلاق المسلخ المذكور في مقدمة المقال تلقي بالضوء نحو لوائح واشتراطات الذبح في المسالخ الأهلية وإعادة النظر فيها، حتى لا يتوجه البعض لذبح أصناف أخرى من لحوم الحيوانات «المباحة شرعا»؛ مثل لحوم الخيل والضباع والحمر الوحشية وغيرها خارج حدود المسالخ المصرحة، وبالتالي تعريض صحة العامة لمخاطر صحية محتملة وخطيرة مثل السموم البكتيرية والحمى القلاعية والوادي المتصدع وطاعون المجترات الصغيرة، وغيرها من الأمراض الخطيرة والمعدية، حيث أدرجت «المنظمة العالمية لصحة الحيوان» قوائم لأكثر من 68 من الأمراض الوبائية المعدية التي تنتقل بين الحيوانات وتصيب البشر، وتتطلب إعداما كاملا للذبيحة المريضة في حال اكتشافها وفق طرق صحية معينة لا تتم إلا في المذابح المرخصة.
وخلاصة القول.. لا ضير في أكل كبسة لحم «الضبع» أو بأي وصفة طبخ أخرى، فالتنوع الغذائي أمر حميد، ولكن ليس قبل أن يسعى المسؤولون إلى ضم جميع الثدييات التي يجوز أكلها ضمن لوائح ضوابط المسالخ الأهلية للكشف عليها، وإعادة النظر في الاشتراطات من حين لآخر؛ لأنه بات مطلبا ضروريا في ظل هذه القضايا التي تفتح من حين لآخر بابا للتساؤل وأبوابا أخرى لإعادة النظر.