يهود اليمن حكاية تروى (الحلقة الخامسة)
يهود ريدة: نعزم المسلمين ونحضر ولائمهم ولا نأكل ذبائحهم
7 مارس 2006 - 19:26
|
آخر تحديث 7 مارس 2006 - 19:26
تابع قناة عكاظ على الواتساب
رصدها من صنعاء وعمران: نبيل الأسيديفي
هذه الحلقة تكشف «عكاظ» بعض العادات والطقوس الخاصة بالهيود في الزفاف والزواج، عبر لقاءات متنوعة مع اليهود وجيرانهم من مسلمي ريده.فهم يحتفلون بمواليدهم من الذكور بالولائم والذبائح، فيما يكتفون بإجتماع للنساء عندما يكون المولود انثى، ولعل ما لفت انتباهنا في هذه الجولة ان اليهود يفرحون مع جيرانهم من المسلمين، ويحضرون ولائمهم لكنهم لا يأكلون ذبائحهم.يقول محدثنا وهو احد المسنين من يهود ريدة ويدعى «يعقوب» ان عاداتنا في الزفاف والختان اكثر من عادات المسلمين، ويشتكى بعضهم من انه لا توجد لديهم في «ريدة» مدرسة لتعليم ابنائهم، كما ان فرص العمل والتوظيف قليلة. وباختصار يرون ان مستقبل الابناء مزعج ومخيف، ورغم كل ذلك فهم يذهبون الى اسرائيل يمكثون بالشهور.. لكنهم يعودون مجدداً الى ريدة.شمعدان النصر في البداية تحدث إلينا الشاب اليهودي «سامح يعقوب» الذي رافقنا منذ دخولنا مدينته، وفيما كانت ابتسامته لا تفارق أحاديثه وردوده على استفساراتنا كنا نشعر بعفوية إجابته وبراءة حديثه على غير ما وجدنا عند كبار السن من أبناء طائفته، وحينها قال أحد أصدقائه المسلمين «ما رأيك أن نعزمك اليوم ونذبح لك خروفاً أو دجاجة» لم يكن من سامح إلا أن شكره قائلاً «كلوها أنتم» وقبل أن نسأله عن السبب قال«في ديننا يحرم علينا أكل الذبائح التي يذبحها المسلمون، لأننا نذبح باتجاه القدس، والمسلمون يذبحون باتجاه مكة، كما أن لنا شروطا في ذبائحنا فنحن لا نأكل شحومها وإذا ما حضرنا ولائم المسلمين نأكل من طعامهم الذي يحل لنا ولا نمد أيدينا إلى ذبائحهم»، وعندما حدثناه عن السفر إلى إسرائيل أو إلى دول الغرب قال «لا ..،بلاد الإنسان ما في أحسن منها ولا في جمالها»، مشيراً الى أنه أكبر اخوته الأربعة ولديه الكثير من الأصدقاء المسلمين، فيما يعمل والده مدرساً للعبرية وأسرته دائماً ما تختلط مع الأسر المسلمة، والزيارات بينهم لا تنقطع ويحضرون أفراحهم ومجالسهم، والمسلمون أيضاً يبادلونهم نفس الزيارات .وبينما نحن نتجول داخل إحد منازل يهود ريدة لا حظنا الحروف العبرية، مكتوبة بشكل لافت في مختلف أرجاء المجلس وجدرانها ليترجمها لنا الشاب «سامح»بأن بعضها لحكم وأمثال عبرية، وبعضها ترحيب بالزوار ومنها أمثال يمنية، ولعل مثل هذه الحروف العبرية هي ما يميز منازل أبناء يهود ريدة عن منازل جيرانهم المسلمين، ومن ما يميز مجالس ودواوين يهود ريدة أيضاً «الشمعدان» الذي يحمل عليه الشموع بحيث يكون في مقدمته شمعة أكبر من سبع شموع ترتص خلفها لتضاء في أعياد ومناسبات اليهود الدينية، وعندما سألنا عن سر وضع الشمعدان في مجالسهم قال «سامح»: «الشمعدان رمز لانتصار اليهود في تاريخنا، ويرمز إلى انتصارنا على أعدائنا، ويتم إضاءة الشمعدان في شهر اغسطس من كل عام وهو الشهر الذي انتصر اليهود القدامى على أعدائهم»، لكنه أيضاً لا يعرف متى كان هذا الانتصار ولا الأعداء الذين هزموهم.عادات وتقاليد مختلفةمدرس العبرية «موسى يحيى يعقوب» حدثناً عن علاقته بجيرانه المسلمين قائلاً:«والله منهم ناس (طيبين) ومنهم ناس (سيئين) وقال:«تحصل بيننا وبينهم مشاكل، ومع ذلك فنحن نختلط بجيراننا المسلمين نزورهم ويزوروننا ونعرفهم ويعرفوننا، فالأديان تأمن الجورة وحسن الجوار» وعن تناقص أعداد يهود اليمن يذكر «موسى» أن أجداده عاشوا في ريده منذ القدم كما هو حال الكثير من الأسر اليهودية التي سافر أغلبهم إلى الخارج مشيراً إلى أن أغلب يهود اليمن هاجروا إلى أمريكا أكثر من إسرائيل وقدر عدد من هاجر منهم إلى أمريكا بـ(3 ملايين) بحسب تقديراته الشخصية فكما يقول «الذين سافروا منا كثيرا جداً، ولم يبق منا إلا القليل ..أحد المسنين من يهود ريدة يدعى «يعقوب» تحدث إلينا عن عاداتهم في الزواج والولادة والختان بقوله «الكثير من العادات عند اليهود اليمنيين مثل عادات المسلمين إلا أننا نختلف في أمور بسيطة خاصة الزواج، فلنا طرق وعادات إضافية أثناء زفاف العروسين، لا يحضرها إلا أبناء اليهود فقط، ورفض أن يصف لنا تلك العادات الخاصة قائلاًً :«إذا في عندنا عرس ممكن ندعوكم تشوفوها بأنفسكم، لكن هي عادات لا بد من القيام بها بحسب طقوس ديانتنا اليهودية، فمثلاً لا بد من شروط توفير المهر للعروس مثل المهر الذي يدفعه المسلمون من أبناء المنطقة، وكذلك الشرط (يقصد مؤخر الصداق)، ونعمل عرس وزفة أمام الناس ونقيم الولائم مثل المسلمين، وتأتي المزينة (المرأة التي تقوم بتزيين العروس لتخضيبها وتسريح شعرها) أما في عادات المواليد والولادة يتم ختان المولود الذكر فقط، نزيد عن عادات المسلمين في إقامة طقوس المواليد، مثلاً إذا كان المولود ذكراً نعزم الناس جميعاً مسلمين ويهودا، ونذبح الذبائح ولا بد أن يكون تبيع (صغير الثور) ونعمل عزومة كبيرة للذكر المولود، أما إذا كان المولود انثى فاليهود يكتفون بدعوة النساء للمجابرة (لفظ يطلق على مجالس النساء مشتق من المحادثة فيما بينهن)، وقد تصل مجابرة النساء في حالة ولادة انثى أكثر من شهر ولا تتم إقامة الولائم وتقديم الذبائح للمواليد الإناث، ولا بد أن يحمل المواليد الذكور والإناث أسماء يهودية ومنا من يسمي بأسماء عادية لكنها ليست من الأسماء حق المسلمين كمحمد و علي وغيرها من الأسماء التي ترمز للمسلمين».يهوديات يتزوجن مسلمين مرافقونا من الشباب اليهود والمسلمين ذكروا لنا أن حالات كثيرة جداً لفرار نساء وشابات يهوديات مع شباب مسلمين، ليتزوجن بهم، ولكنهن دخلن في الإسلام، وحينها لا تجد الأسرة اليهودية سوى التسليم بالأمر حيث يقوم الشباب المسلمون بعقد قرانهم على الفتيات اليهوديات عند شيوخ القبائل أو خطباء المساجد أو عند كبار الشخصيات الاجتماعية في المنطقة، كما أن هناك حالات نادرة يتم فيها الزواج بأن يتقدم فيها الشاب المسلم لأسرة الفتاة اليهودية وهي حالات لا تجد قبولاً كبيراً عند الأسر اليهودية وبقية أفراد الطائفة وقد تحصل مشاكل بسبب الضغوط التي تواجهها أسرة الفتاة من رؤساء الطائفة اليهودية، ولذلك لا يجد الشاب المسلم سوى الفرار والزواج بعيداً عن الأسرة والطائفة، ولا يتذكر محدثونا عن حالات طلاق للنساء اليهوديات اللواتي تزوجن بمسلمين فكلهن دخلن في الإسلام ويتميزن بإخلاصهن الشديد لأزواجهن ولعل ذلك سبب عدم قدرتهن العودة إلى أسرهن إذا طلقن خاصة أن أغلب الأسر تقطع علاقتها بشكل غير مباشر ببناتها المسلمات، وقلة من الأسر لا ترى حرجاً من بقاء العلاقة بينها وبين أسرة وزوج ابنتها لكن هذه العلاقة سرعان ما تنقطع بين الأحفاد وأسر أمهاتهم من اليهود، كما أن بعضاً من شباب اليهود يتزوجون بفتيات مسلمات وذلك بعد إسلامهم بالطبع وانخراطهم في مجتمعهم المسلم لكنها تعتبر من الحالات النادرة، مع بقاء علاقة الشباب اليهود الذين أسلموا بأسرهم اليهودية لفترات اطول من علاقة ممن أسلمن من نسائهم، على الرغم من أن أغلب من يسلمون من اليهود نساء.منغلقون على انفسهم وكما ذكرنا سابقا ان اغلب ممن بقي من يهود اليمن في ريدة قد زاروا إسرائيل أكثر من مرة وفضلوا العودة للعيش في مدينتهم اليمنية إلا أنهم قالوا لـ«عكاظ» ان اليهود اليمنيين الذين هاجروا إلى إسرائيل واستقروا فيها لا يختلفون في عاداتهم وتقاليدهم هناك عما كانوا يمارسونه من عادات وتقاليد يمنية قبل رحيلهم ، بل إنهم ظلوا محتفظين بما توارثوه جيلا بعد جيل في موطنهم الأصلي اليمني ، وقال لنا يهود ممن زاروا أقارب لهم في إسرائيل لقد نقل هؤلاء اليهود عادات وتقاليد البلاد اليمنية التي كانوا يتبعونها ويمارسونها إلى الأرض التي سكنوها في فلسطين كما احتفظوا بالتقاليد الاجتماعية وأسلوب حياتهم إلى الأراضي المحتلة وقد تمسكوا بكل شيء بما في ذلك طريق البناء وأنواع الأطعمة مثل أكل الوجبة اليمنية الشهيرة والمعروفة بـ «السلتة » ذات الخصوصية اليمنية وغرسوا أيضا شجرة القات وأصبحت تجمعاتهم وأحياؤهم السكنية هناك وكأنها أحياء يمنية خالصة لا فرق بينها وبين أحيائهم في اليمن سوى تغير الموقع الجغرافي، إلا أن عددا من العادات الجديدة لمكان استيطانهم قد بدأت تظهر على الجيل الجديد من أبناء يهود اليمن الذين ولدوا في إسرائيل، وذكروا انه كما كان يهود اليمن منغلقين على أنفسهم في اليمن فقد ظلوا منغلقين اجتماعيا في مهجرهم الجديد ، خاصة ان اغلبهم فوجئوا عند وصولهم أولا بزيف الاغراءات التي كانت تعلن من قبل مندوبي الوكالة اليهودية ومعاونيهم حيث وجدت الفوارق الكبيرة بينهم وبين القادمين من أوروبا والاتحاد السوفيتي وكذلك استغلال الأوضاع المعيشية السيئة التي كان يعاني منها سكان اليمن بشكل عام بمن فيهم اليهود.ورقة للتطبيعولعل السبب الذي يراه مهتمون بمجتمع الأقلية اليهودية المتبقية في اليمن في ان الاهتمام الذي تبديه الدوله اليهودية في فلسطين المحتلة بما تبقى من يهود في اليمن لا يعدو عن كونه ان هؤلاء المجموعة من اليهود يشكلون ورقة مهمة في عملية التطبيع الكامل بين إسرائيل والدول العربية التي تهدف إليها إسرائيل .. حيث ما زالت الكثير من الروابط الاجتماعية والأسرية والتاريخية التي تربط بين اليهود اليمنيين ذوي الأصول اليمنية في إسرائيل واليهود المقيمين في اليمن وبالتالي يصبح تبادل الزيارات بينهم أمرا ضروريا وهو ما لم يتم بشكل كامل خلال السنوات الأخيرة وإنما تم بشكل جزئي حيث لا تنقطع زيارات اليهود اليمنيين لأقاربهم وذويهم في إسرائيل، يعودون بعد ذلك إلى اليمن وبعضهم رفض العودة ليس بسبب المغريات الكبيرة المقدمة لهم من قبل الحكومة الإسرائيلية لأنها غير موجودة وإنما بسبب رغبة بعضهم في تأهيل أنفسهم علميا وعمليا والحصول على مؤهل مناسب يمكن من التواصل والعيش في العصر الحديث بوسائله الحديثة كون الاهتمام الحكومي اليمني بما تبقى من اليهود منعدما تماما في اليمن ولذلك فهم يعيشون في عزلة غير مباشرة ، على الرغم من التأكيد الحكومي اليمني أكثر من مرة على الاهتمام الذي توليه الجهات الحكومية باليهود اليمنيين وبقضاياهم، فيما قال «ماشا بن يحيي» أحد يهود ريدة «لا توجد لدينا أي مدرسة نعلم فيها أبناءنا كما لا توجد لدينا الفرص المناسبة في العمل والتأهيل والتوظيف في أجهزة ومؤسسات الدولة وهذا يجعل مستقبل أبنائنا مخيفا ومزعجا ويمنع أغلب من خرجوا من اليمن خلال السنوات الأخيرة من العودة التي يحلمون بها « ويضيف «ماشا» «زرت إسرائيل قبل عدة سنوات وبقيت فيها حوالي ثمانية أشهر أخذت خلالها دورة في العلوم العبرية وقررت العودة لأعيش في بلدي وبين أهلي ولا أقبل بغير ذلك»..