يطرح الكثيرون علي هذا السؤال؛ هل انتهى عصر الفلسفة مع تطور العلوم؟ في الواقع أن السؤال قديم قدم انفصال العلوم عن الفلسفة في القرون الأخيرة.. حيث كانت العلوم سابقا فروعا للفلسفة ومن هنا جاءت تسميتها بأم العلوم. مع نيوتن أصبحت الفيزياء علما مستقلا، ومع لافوازيه استقلت الكيمياء، ومع لامارك ودارون استقلت البيولوجيا، ومع فونت وفرويد استقل علم النفس والتحليل النفسي، ومع كومت ودوركايم استقل علم الاجتماع.. وهكذا. إذن فالسؤال وجيه جدا: ماذا بقي من الفلسفة؟! سأحاول في عجالة أن أجيب تبعا لرؤيتي الخاصة.
أولا وقبل كل شيء علينا الاعتراف أن الفلسفة بالفعل تضاءلت أو انحصر مجال اشتغالها على ميادين معينة، فلم يعد من حقها أن تجيب على سؤال: مم تكون الذرة؟ مثلا. لكن بمقدار ما تضاءل ميدانها بمقدار ما تطورت ونضجت! لقد تركزت جهود الفلاسفة على موضوعات بعينها بعدما كانوا مشتتين في العصور السابقة بين مجالات متنوعة؛ فأصبح الفيلسوف الحديث يتخذ له موضوعا يشتغل عليه، على سبيل المثال: الأخلاق، الجمال، مصدر المعرفة، اللغة .. إلخ.
يتوجب علينا قبل أن نستأنف أن نتوقف قليلا عند طريقة المعالجة التي يمارسها الفيلسوف مقارنة مع العالم؛ فالعالم يستخدم المناهج التجريبية والإحصائية ونحوها، بينما الفيلسوف يكتفي بالتأمل العقلي في نتائج العلوم إضافة إلى الظواهر الأخرى وتحديدا الإنسانية لا المادية. كما أن الفيلسوف باحث راديكالي؛ يتناول الموضوع بدون أحكام مسبقة بخلاف العالم الذي ينخرط في القوانين التي تعين علما من العلوم. فعالم الاجتماع يسلم مسبقاً بوجود «مجتمع» ويبدأ في البحث عن بنيته والعلاقات المتضمنة فيها. بينما الفيلسوف يسأل قبل ذلك: هل يوجد مجتمع أصلا؟ وما هي طبيعته؟ وكذلك قل بالنسبة لعالم السياسة الذي يحلل الظواهر السياسية مفترضا بشكل مسبق أن هناك تعريفا واضحا لمفهوم السلطة.. بينما الفيلسوف يسأل: هل هناك سلطة؟ وما هي طبيعتها؟ مع ملاحظة أنه يسأل ويفكر فيها تفكيرا تأمليا لا تجريبيا.. لذا فهو لا ينطلق من أحداث سياسية تاريخية معينة بل من مفهوم كلي للسلطة والنظام.
إذن، قد يتناول الفيلسوف موضوعات مشتركة بينه وبين العالم، ولكنه يقاربها من منظور راديكالي عقلي مغاير لمنظور العالم أو المحلل السياسي مثلا. من هنا ظهرت فروع فلسفية وعلمية في الوقت عينه: كفلسفة العلم، وفلسفة الاجتماع، وفلسفة الرياضيات، وفلسفة اللغة .. وهي تختلف عن العلوم ذاتها. كما أن المقاربة الفلسفية لا تقتصر فقط على التحليل اللغوي للخطاب العلمي كما يرى الوضعيون المناطقة، بل هي منهج تأملي وتفكيكي وتحليلي في الوقت عينه.
أختم الآن بأبرز الموضوعات التي ما زالت فلسفية بامتياز. أولا: الأخلاق. موضوع فلسفي مازال يقاوم ظهور ما يمكن أن يسمى بـ «علم الأخلاق!». ثانياً: الجمال والفن. صحيح أن النقد الفني والأدبي يمكن أن يشارك الفلسفة هنا، لكن الفلسفة لها منظور مغاير. ثالثاً: الوجود. وهو من أبرز الموضوعات التي عالجها الفلاسفة منذ الإغريق إلى اليوم ولا تزال حيوية. اشتهر به في العصر الحديث الفلاسفة الوجوديون وأبرزهم هايدجر. فسؤال الوجود لا يمكن لأي علم أن يجيب عليه. في الأخير، علينا التفطن إلى أن غير الفلاسفة قادرون على مقاربة هذه الموضوعات، وهذا لا بأس به في عصر تداخلت فيه العلوم والمعارف وتضافرت بشكل عميق ومثير.
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز ؟؟؟ مسافة ثم الرسالة
هل قضى تطور العلم على الفلسفة؟
23 أبريل 2013 - 21:07
|
آخر تحديث 23 أبريل 2013 - 21:07
تابع قناة عكاظ على الواتساب