تذكرت وأنا أقرأ خبر نية هيئة الاتصالات حجب خدمات الواتس أب والسكايب والفيبر وغيرها من البرامج المجانية على الهواتف الذكية، زمنا قديما يعجز حتى الزهايمر أن يمحوه من الذاكرة، عندما كنا نتخوف من الهواتف التي تظهر رقم المتصل، ومن البيجر، ومن الجوال، ومن الدش، ومن كل ما كنا نتوهم بأنه سيهدم قيمنا وأخلاقنا وإنسانيتنا وسيفككنا وسيدمرنا وسيقضي على ما تبقى من الخير فينا، ونمنع ونقاوم، ثم نكتشف أن الآخرين الذين هزموا خوفهم واستفادوا من التقدم العلمي والتقني مايزالون على قيد الحياة، ونحن مانزال على هامشها.
يتداول على تويتر والفيسبوك والبرودكاست صورة ضوئية لخبر صحافي في إحدى صحفنا المحلية يعود لعقود خلت، يقول: «نفى مصدر مسؤول بوزارة البرق والبريد والهاتف ما تردد مؤخرا حول اعتزام وزارة البرق والبريد والهاتف إدخال جهاز الهاتف المزود بشاشة طرفية يظهر عليها رقم الشخص المتصل وذلك تلافيا لمشكلة المعاكسات الهاتفية بالمملكة.
وأشار المصدر قائلا في تصريح خاص للصحيفة بأن الوزارة قامت بالتنسيق مع الجهات المعنية بدراسة إمكانية تقديم مثل هذه الخدمة للمواطنين إلا أنه تبين أنه سينشأ عن ذلك الكثير والكثير من المشكلات العائلية والاجتماعية التي لا حصر لها.
وأضاف المصدر قائلا: إنه لا شك أن المقاسم الالكترونية المنتشرة في أنحاء المملكة تتميز بتقنيتها الحديثة والعالية واستيعابها لأحدث الوسائل والإمكانيات حيث إنها لا تقل إن لم تزد على مثيلاتها بالدول الأمريكية والأوروبية.
واختتم المصدر تصريحه قائلا: «من المعلوم بأن أغلب مقاسم الشبكة الهاتفية بالمملكة باستطاعتها تقديم مثل هذه الخدمة لولا المشكلات التي قد تنتج عنها... انتهى».
كل ما فعله ذلك المصدر المسؤول يومها، وأي فعل مشابه سيفعله مصدر مسؤول اليوم، هو أنهم لا يفعلون شيئا غير تصعيب مهمة اللحاق بالعالم علينا، وإجبارنا على الوصول متأخرين دائما.
وكل ما يفعلونه هو إعادتنا إلى زمن جوال «أبو كشاف»، بل إلى ما قبل زمنه، إلى زمن الهواتف الغبية التي لا تمكنك من رصد من يزعجك، والتي عندما حطمناها، وجدنا أنفسنا بعد زمن مع الآخرين وعلى قيد الحياة! ولا أدري لماذا تخيلت جوال «أبو كشاف» ينظر إلي بتهكم وأنا أكتب ويقول: «جابك الموز يا قرد».
كلنا مع إغلاق المنافذ التي يساء من خلالها لوطننا، أو مراقبتها والقبض على المسيئين من خلالها ومحاسبتهم ومعاقبتهم بأشد العقاب، ولكنه لا يستقيم في الفهم السوي أن يؤخذ كل الخيرين بجريرة حفنة من الأشرار.
ولا يستقيم في الفهم السوي، أن ينعم العالم أجمع بخدمات هذه البرامج بالمجان، وتلقي بنا هيئة الاتصالات في أحضان شركات هي تنهش جيوبنا أصلا بتعرفة اتصالات مرتفعة جدا ومبالغ فيها ولا مثيل لها في العالم؛ لتستنزف جيوبنا رغما عن أنوفنا لشراء هذه الخدمة منهم، إما هذا وإما أن نرزح تحت وطأة التخلف، نراقب العالم بحسرة كيف يتقدم ونرجع نحن إلى الوراء.

m_harbi999@hotmail.com