البث المباشر للأحداث أسهم كما يقول السياسيون المتصارعون في تأجيج مشاعر الاحتقان الطائفي، حتى دعا أكثر من طرف إلى توقيع ميثاق شرف يمنع استغلال الوسائل الإعلامية من قبل السياسيين، فيما أفرط السياسيون أنفسهم في تأجيج المشاعر. رئيس المجلس الوطني للإعلام عبد الهادي محفوظ قال لـ«عكاظ»: «من ناحية مطلبية وقانونية يفترض بالاعلام أن يكون دوره بناء. للأسف الآن في لبنان كأن المطلوب منك الاشتباك بين الوسائل الاعلامية. فهذه الوظيفة اما ان تكون بناءة واما ان تكون وظيفة هدامة. في لبنان، يجب أن يعتمد الإعلام ما هو مشترك بين اللبنانيين أي القواسم المشتركة من تغليب مبدأ الوحدة الوطنية واشاعة الهدوء الاعلامي والتركيز على السلم الأهلي وابعاد شبح الفتنة بين المواطنين. لكن ما نلمسه حالياً للأسف وتحديداً في مجال الاعلام المرئي والمسموع الذي أصبح في مثابة السلطة الأولى، هو عكس ذلك. فالشاشة تدخل الى كل بيت بدون استئذان وبالتالي نحن نعلم أن في قانون الاعلام المرئي والمسموع 94/382 تشديداً على ان الاعلام المرئي والمسموع يجب ان يمارس في اطار الدستور والقوانين المرعية الاجراء، الآن هذه الممارسة لا تتم في اطار الدستور ولا في اطار القوانين هنالك للأسف اعلام يشيع بطريقة غير مباشرة ويشدد على الغرائز ويستثيرها ويبتعد عن الموضوعية والاستقلالية والأمانة المهنية والتنوع ويسرف في المبالغة من خلال تقديمه صورة غير حقيقية اذا صح التعبير».
وأضاف: «نحن نعلم أن الديانات تشدد على الوحدة وعلى الايمان بالله والتسامح وما يحصل حالياً في لبنان يخالف هذه المسائل وبالتأكيد فإن الاعلام يجب ان يكون له عنصر لجم وردع للاثارات السياسية باعتبار ان لبنان هو صيغة لحوار الحضارات والأديان وبالتالي لا بد من التأكيد على تعزيز الوحدة الوطنية الداخلية كما أنه في مجال المرئي والمسموع ثمة مخالفات للقانون ترتكز الى عدم مراعاة التنوع في التعبير. لقد اصبحت كل مؤسسة اعلامية مرئية ومسموعة منبراً للشحن الطائفي لهذه الجهة او تلك وهذا بحد ذاته ايضاً مخالف للقانون لأنه عندما أعطيت التراخيص القانونية لاقامة هذه المؤسسة او تلك كان الشرط الأساسي الالتزام بالموضوعية بحيث لا يكون لأية مؤسسة سياسية سياسة خاصة بها ذلك انها تستخدم الفضاء وهو مرفق عام وبالتالي فان هذه الرخصة مشروطة بممارسة الأمانة والموضوعية والحيادية والتعامل الشفاف مع الأخبار والابتعاد عن كل ما من شأنه اثارة هذه المسائل من نعرات طائفية أو التعرض للانتقام العام او التحريض على العنف في المجتمع. والأساس في هذه المؤسسات أن تكون اداة فاعلة في بناء المجتمع والانسان وتطوير الذوق العام ورفع الجمالية والرفاهية وهذا ما لا نلمسه الآن في المؤسسات الاعلامية للأسف وكان يمكن لهذه المؤسسات حجب الكثير من التصريحات الغوغائية والتي تشدد على التحريض والاثارة والاعتداء على حرية الآخر وهذا ما لا يحصل ايضاً، ان هذا الاعلام لا يمكن أن يخدم الرأي المشترك بين اللبنانيين لا بل من شأنه ان يعمل على تأجيج الصراع والوصول الى حرب اهلية او كانتونات طائفية».
واعرب محفوظ عن اعتقاده أن في القانون نصوصاً كافية لأن تبتعد المؤسسات الاعلامية عن اشاعة المسائل الطوائفية لأن هذه المؤسسات هي مؤسسات ثقافية لكنها تحولت الى متاريس طوائفية وتمتلك من الحماية الطوائفية ما يكفي لممارسة هذا الدور السيئ، الكل يشكو من الاعلام سواء في الموالاة أو في المعارضة ولو كان هناك التزام في مضمون القوانين لما حصل هذا الأمر وهذا ناجم في تقديري عن ضعف فكرة الدولة في لبنان وان المشكلة في الأساس هي سياسية. وهو ما يفترض بالتأكيد تعديلاً للقانون لأن في مثل هذه الحالات يجب ان يكون هنالك مرجعية، ففي فرنسا المجلس الأعلى للاعلام المرئي والمسموع هو المرجعية ويمتلك صلاحيات تقريرية اما في لبنان فان الصلاحيات استشارية أما القرار فهو للحكومة، وبالتأكيد في وضع كهذا هناك موالاة ومعارضة وفي تقديري يصعب على الحكومة ان تأخذ القرارات الواجبة في مثل هذا الموضوع».
نظريات اعلامية مختلفة
أستاذ الدعاية والرأي العام في الجامعة اللبنانية الدكتور إياد عبيد قال لـ«عكاظ»: «هناك عدة مدارس في الإعلام وعدة نظريات وهناك مدرسة المسؤولية الاجتماعية التي ظهرت في أوروبا وظهرت بكل قوة عقب الحرب العالمية الثانية، وهناك مدرسة الليبرالية المنطلقة من منطق «دعه يعمل دعه يمر» والمناقشة لا تتم ولا وضع الحواجز والعراقيل على الإعلام أثناء التغطية ونقل الأخبار وكل هذه الامور. لماذا نظرية المسؤولية الاجتماعية ونظرية الرعاية؟ ان المجتمعات تمر بمشاكل كبرى ومن أجل ذلك كانت هذه النظريات حتى تصان المجتمعات أثناء الازمات لأن البلاد تتعرض في الأزمات إلى خضات قد تؤدي إلى تقويض أسسها كدولة ومجتمع وإلى تفكيك عرى المجتمع بشكل غير طبيعي. ونحن في المنطقة العربية عامة خصوصاً بعد احتلال العراق وما يحدث في أفغانستان واستمرارية الاحتلال الصهيوني لفلسطين، وعدم الاعتراف بشرعية الحقوق الفلسطينية وقيام الدولة الفلسطينية ان ما يحدث اليوم أدى إلى انعكاس خطير على الساحة اللبنانية وعلى المنطقة ككل وبدأت تظهر بوادر الحديث عن تفتيت المنطقة على أسس مذهبية واثنية وعرقية، كل دولة من الدول العربية مثلها مثل كل دول العالم فيها أقليات وفيها أكثريات. وهنا تدخل إلى الوضع اللبناني وتركيبة مجتمعه المعروفة التي تتألف من 18 طائفة، وهناك طوائف أكثرية وطوائف أقلية والديموقراطية في لبنان كما أرسيت في وثيقة الوفاق الوطني في الطائف توافقية تعاهدية تعاضدية وليست عددية وكل شيء يتداخل في لبنان، الإقليمي مع الوطني مع الطائفي مع المذهبي وصولاً إلى الأوضاع الدولية، كلها تؤدي أدواراً في لبنان ووطننا غير معافى أمام هذا الواقع».
وأضاف: «نحن بدأنا نقول بنظرية المسؤولية الاجتماعية وهذه المسؤولية التي يجب على الإعلام أن يراعيها، هذه المسؤولية اذا أراد أحد ان يناقش أنها تحد من المسؤوليات نحن نحيله مباشرة إلى الولايات المتحدة الامريكية أعقاب أحداث 11 سبتمبر حين بدأت عمليات الرقابة التلقائية الذاتية ورقابة الدولة على كل ما ينشر اذا كانت الرقابة من أجل حماية الاتحاد الفدرالي من التفكك ولحماية كل ولاية. فاذا كانت دولة بهذه القوة وهذا الحجم السياسي والعسكري والأمني والعلمي واخضعت أجهزة الإعلام للرقابة ضمن هذا الإطار، وهي التي تؤمن بمذهب الليبرالي الحر».
واوضح الدكتور عبيد ان الرقابة على النشر وهذا النوع من الرقابة هو ذاتي أخلاقي ينبع من إيمان الصحافي بمجتمعه ووطنه وعلى الصحافي ان يتمتع بأخلاقية ويتفهم قوانين البلد وان يكون مثقفاً بما فيه الكفاية ويحدد ما الذي يضر بالبلد وما الذي يفيده. انني لا أدعو إلى جلسة حكماء من أجل تحديد هذه الأمور لأن القانون اللبناني يلحظ كل شيء بل أدعو إلى تطبيق هذا القانون وان الذي يريد أن يلعب دوراً اليوم في البلد، فالوقت ليس للعب أي دور لأننا أمام مستنقع خطير وبدأ يدق ناقوس الخطر والحديث عن لبننة المنطقة وعرقنة لبنان».
خطابات تحريضية
أمين صندوق نقابة المحررين جوزف قصيفي قال لـ«عكاظ»: «يجب الانطلاق في مقاربة هذا الموضوع من زاويتين اولاً: زاوية مسؤولية القادة السياسيين في الابتعاد عن الخطابات التحريضية التي من شأنها أن تذكي الانقسامات وتؤجج نار الفتنة وبالتالي فان الاعلام الذي ينقل مواقف هذه القيادات ليس مسؤولاً بالمطلق او حصراً عن هذه المواقف وايضاً ليس مسؤولاً عن كل الاتهامات التي تطاوله من انه يقود وبسلوكه الى اشعال نار الفتنة ولكن باستطاعة الاعلام ايضاً أن يورد هذه التصريحات في اطار يمكن توظيفه في اتجاه التهدئة بمعنى أنه لا يجب الاتكال كثيراً على حكمة القيادات السياسية التي غالباً ما تكون لها بعض الأغراض أو النيات، بل يجب ايجاد الإطار الذي يساعد على التخفيف من وطأة هذه المواقف المعبر عنها بتصريحات نارية وذلك خدمة للسلم الأهلي في لبنان الذي لا يزال معرضاً لشر الأخطار.
ثانياً لا شك أن هناك ظاهرة خطيرة تتمثل في أن الإعلام المرئي والمسموع الذي يخضع لقانون مؤقت لا يراعي أحكام هذا القانون على الإطلاق، وقد تحول في معظمه اذا لم نقل كله إلى إعلام حربي يتولى التراشق بالاتهامات والتشدق وحشد المعلقين من هذا الطرف أو ذاك ليصبوا الزيت على النار، وبالتالي فان هذا الاداء غير مرض على وجه العموم، ويجب إمعان النظر في إيجاد ليس ضوابط لأن الإعلام لا يجب أن يخضع لضوابط أو روادع سواء في القانون أو في فرض بعض التدابير عليه، ولكن يجب إمعان النظر في ما يخلفه أداء وسائل الإعلام لا سيما في وسائل المرئي والمسموع، من نتائج على صعيد الرأي العام وهي نتائج في بعض الأحيان قد تكون كارثية وقد تعيد الاجواء على نحو مثير للقلق فيصبح البلد على حافة الانفجار. إلى ذلك فان الإعلام المكتوب وان كان يؤدي قسطه في توتير الأجواء لكن هذا القسط يسير نسبياً جداً لذلك فان الإعلام المكتوب يمارس نوعاً من رقابة ذاتية وهو في مجمله إعلام هادئ باستثناء بعض الخروقات، ولنكن صريحين فان تأثير الإعلام المكتوب هو أقل شأناً من تأثير الإعلام المرئي والمسموع الذي يبث على مدار 24 ساعة ويطارد الناس في بيوتهم وسياراتهم ومحالهم ومكاتبهم وبالتالي فان هذا الإعلام قد لا يكون أداة سلبية اذا توافرت إرادة وطنية وسياسية للتهدئة والابتعاد عن اللعب بالغرائز الطائفية والمذهبية، فالصحافة والاعلام في نهاية المطاف يعكسان صورة ما يجري على الأرض بصرف النظر عن الهوى السياسي أو الغرض الفئوي فهناك دائماً شيء مضاف إلى ما هو صحافي أو إعلامي صرف والشيء المضاف قد يكون هو المسبب الرئيسي لحالة التشنج داخل المجتمع، ومن هنا ضرورة التنبه إلى الدور الذي تضطلع به الصحافة ووسائل الإعلام المرئي والمسموع .
المشكلة ناجمة عن ضعف فكرة الدولة فى لبنان.. والخبراء لـ«عكاظ»:
مطلوب ميثاق شرف يمنع استغلال الاعلام في إثارة النعرات الطائفية والتحريض على العنف
3 فبراير 2007 - 19:40
|
آخر تحديث 3 فبراير 2007 - 19:40
تابع قناة عكاظ على الواتساب
« الاخيرة » إعداد زياد عيتاني، فادي الغوش (بيروت)