* كنت أشاهد ذلك الوقت الذي يمتصنا، ونحن نتغرب عن نفوسنا، عن كل حميمياتنا... كنت أصغي -بشغف وهَوْدَجة- إلى غناء الحب، فأُصدِّق الحب، والمغنى!!
كان الحب صحوة الإنسان في أعماقي، فإذا هو اليوم يدلج بنا إلى مسالك الهروب عبر كوة يتلصص منها: الغياب، والنسيان، والجحود!
صرت أحفر صوتي في القصائد المجروحة بالغربة.. في النغم الذي شاخ وتقاعد عن ركض الوجدان.
صرت أُسمع الحياة: حفيفاً لورقي العتيق، وهو حصون أحلامي وزماني، وهو سفني التي تحملني دائماً إلى موانئ المحبين والأحباء وإلى رموزهم، وإلى تلك الضحكة التي بلّلها الطل في منتصف الأمسيات!
* * *
* في ذلك المساء اللامع بحبات مطر نادر يهطل على مدينة البحر: ناديت الخفقة القادمة من اللا مثيل، العائدة إلى حرية ضوئي ونبرة سكوني، وتأملات صمتي... كنت أتملاها كوجه صبوح، أقرأها ككلمة فياضة بالشجون، أتواصل معها مثلما أفعل مع: حبة الغيث، وعطش الرمال، وضجيج الصدور برغبة البوح!
إذن... نحن لا نهرب من شيء، بل إلى أشياء غريبة عنا... والناس ينغمسون في كل الأشياء التي تسكنهم، والتي تعْبُر بهم ردهات نفوسهم... ذلك لأن مسافة الحياة: قصيرة في الحلم، ماتعة في التخيُّل، بخيلة في العطاء.
* * *
* في ذلك المساء الذي صعُب على مدينة البحر أن تشرب مياه أمطارها: تخيَّلت «وجهاً» قابعاً في سريرة الضلوع.. توحَّيت «صوتاً» شارداً إلى براري العمر، لا يلتفت بالصدى ولا يرجع بالحنين!
ورأيت كل تلك المسافة: جزراً خرافية أقمناها بالحلم، وهدمها الواقع الذي يعمد إلى إطفاء البوح، والتدفق، والتوحد... ومنذ تلك اللحظة، وحتى هذه اللحظات المضخمة كأنها عمر بليد: بقيتُ أقطع المسافة، والتأمل، والأصداء التي صارت أكثر ابتعاداً.
أركض مرة.. أبحث مرة أخرى.. أقطع المسافة: قصيرة في الحلم، ماتعة بالتخيُّل، بخيلة في العطاء، ثم..... تتبدَّى الحقيقة، بالعودة إلى أقدام العالم الذي فقد رأسه، و... مات قلبه.
* والآن... عندما «الأفق» يقتاده التعب: يتصاعد «الحلم» إلى حشاشتي: أفقاً، ومداراً، ووطناً لا يهون.
* الآن... أصغي إلى غناء «الحب»، ومازلت أُصدِّق الحب، وأكتب الرثاء في المغنى!
* * *
* آخر الكلام:
* للشاعر الكبير «محمد الفيتوري»:
- والحب... هل هو كأس الشعر، نكسر
في رحيقه بعض ما فينا، وننكسر؟!
والناس.. هل أبصرَتْ عيناك غير أسى
يمشي على قدميه... ثم ينهمر؟!