قبل ثلاثة أيام صدر أمر ملكي كريم يهم الإعلاميين في السعودية، والأمر تناول في محتواه تعديلات مطلوبة على نظام المطبوعات والنشر، وخصوصا في باب النقد المقبول ومحله وعقوبات التجاوز والتلفيق وغيرها، كما أكد في تمهيده للتعديلات على مقولة «أن الرجال يعرفون بالحق والحق لا يعرف بالرجال» والمقولة معروفة ولها أصلها الراسخ في التاريخ الإسلامي، وتفترض في معناها الإعلامي، إن جاز التعبير، الحكم على الرأي أو المادة الصحافية بتجرد وبدون شخصنة أو موقف مسبق من صاحبها أو موضوعها، وفيما ذكر حياد وتوازن ورغبة صادقة في البحث عن أسباب الحقيقة والتمسك بها، ثم وضح الأمر الملكي أن الاختلاف والاجتهاد في الرأي متوقع وطبيعي ومرحب به، إذا التزم بالحرية المسؤولة وبالدليل وبما يخدم الصالح العام، وبالتأكيـد ومثلما جرت العادة، الرجل الأول في السعودية وضع الخطوط العريضة، وترك التفاصيل لجهة الاختصاص المبدئي أو وزارة الثقافة والإعلام طبقا للمادة الأربعين من النظام الجديد، والمؤمل في الوزارة تزويد المؤسسات الإعلامية بمذكرة تفسيرية، أو تقديم توضيحات وتعريفات لبعض العموميات.
أكتب هذا وفي البـال ما قالـه جيري بامر في كلامه عن القيـم الإخبـارية واستراتيجيات المصدر (2000) فقد قال، بتصرف، إن الصحافة لن تجد قبولا عند جمهوره، مالم تنسجم مع أنساقهـم الثقافية وأساليبهـم في الفهم والتفكير، والتعديلات خاطبت هذه الفكرة وأعطتها حقها كاملا، وعلى سبيل المثال، من حق الدولة بل ومن واجبها أن تتعامل بحزم وصرامة مع المطبوعات ومواقع الإعلام الالكتروني، عندما تستغل أو تستثمر كمنابر شحن أو تعبئة للرأي العام المحلي ولأغراض مشبوهة أو مشكوك فيها، ولكن الإعلام لا يكون إعلاما مهنيا، في الأحوال المثالية، مالم يمارس دوره المساند للدولة في كشف الأخطاء والسلبيات والتجاوزات، وبحس وطني بالتأكيد، لذا فإن ما يدخل تحت وصف الإساءة أو التجريح يحتاج إلى ضبط ونماذج تقريبة حتى لا يقع المحذور بدون قصد، فالكلام حمال أوجه ويحتمل الشيء ونقيضه أحيانا، ولا بد من بيان المقصود برجال الدولة وموظفيها وأصحاب الصفات الطبيعية والاعتبارية الخاصة، لأنها كلمات كبيرة وواسعة، وتطبيقها حرفيا يعني أن الدور الصحافية لن تنشر إلا ما يصل إليها من وكالة الأنباء السعودية والأخبار الخارجية فقط، وستكون بالتالي بعيدة عن هموم الناس ومشكلاتهم، وربما من حسنات هذه التعديلات والحسنات كثيرة، إن الصحافة الورقية والالكترونية المسجلة أو المرخصة في السعودية، أو من تعتمد على سوق الإعلان السعودي، أو إن وجدت، ستعمل على إنشاء قسم قانوني يراجع وبعناية تامة الأخبار المحلية الحساسة أو الغريبة قبل نشرها، أو الأخبار من عينة «مؤخرة الدجاجة» وتصريحات الشيخ يوسف الحمد المتجاوزة والمعروفة، وما نشر منسوبا لوزارة العدل حول السماح للسعوديات بمزاولة مهنة المحاماة، في خلط واضح وغير مفهوم بين المحاماة كمهنة لها أصولها والوكالة الشرعية عن النفس والغير، وبدون تثبت أو اعتذار، والاعتراض هنا على التسرع والخطأ ولا أقول الفبركة، وقد رأيت قسما قانونيا في جريدة «الغارديان» وأنصح بالاستفادة من تجربته.
أعود إلى الأمر السامي الكريم فقد لاحظت بعد المقارنة مع المرسوم الملكي رقم م/32 الصادر في يوم 3 رمضان من سنة 1421 هجرية، حذف فقرتين في المادة التاسعة وهما الفقرة الرابعة والسادسة وربما دمج جزء بسيط منهما في الفقرة الثالثة الجديدة على النظام، والخاصة بالمفتي وهيئة كبار العلماء ورجال الدولة...، وإضافة عبارة «الأنظمة النافذة» في الفقرة الأولى منها، ونقل الفقرة الثامنة ووضعها كمقدمة للمادة التاسعة، وإدخال مصطلح «عند الاقتضاء» بديلا لـ «عند الضرورة» مثلما ورد في المادة السادسة والثلاثين قبل التعديل، ولا أعرف الفرق بينهما، وفي المادة السابعة والثلاثين في نسختها القديمة كانت اللجنة المعنية بنظر المخالفات واحدة
وبرئاسة وزير الثقافة والإعلام وعضوية وكيل الوزارة المختصة ومستشار إعلامي بأقل تقدير، وتغير الوضع حاليا لتصبح اللجنة ابتدائية يرأسها خبير في الأعمال القضائية ويشترك في عضويتها مستشار نظامي وإعلامي متخصص، واختيار أعضائها وتسميتهم يتم بأمر ملكي وخارج سلطة الوزير والوزارة، ما يفيد بأنها مستقلة وغير منحازة لطرف على حساب طرف، وتضمنت المادة زيادة ضرورية أشارت إلى أن اللجنة المذكورة لا تقبل إلا الشكاوى المرفوعة ممن لهم صفة ومصلحة مباشرة بالموضوع، ما يضع حدا لمحاولات الاحتساب باسم الآخرين والترافع نيابة عنهم، ويبقى أن في يد وزير الإعلام، حسب المادة، إحالة ما يرى وجاهة في إحالته.
الإرادة الملكية الكريمة وفقت في رفع سقف العقوبات في المادة الثامنة والثلاثين من خمسين ألفا إلى خمسمائة ألف، وكذلك في إضافة ثلاثة فقرات أو عقوبات للمادة نفسها لم تكن موجودة في النظام السابق، الأولى نصت على إيقاف المخالف، بعد ثبوت التهمة، عن الكتـابة أو المشـاركة الإعلامية في المحطات الفضائية أو كليهما، والثانية جعلت قرار الإيقاف المؤقت أو النهائي للمطبوعة الورقية بمعرفة المقام السامي، والثانية خولت الوزير باتخاذ القرار نفسه إذا صدرت المخالفة من جريدة أو موقع الكتروني، والثالثة ألزمت المخالف بالاعتذار على حسابه عن مخالفاته المنشورة في مكان نشرها، وقيدت المسألة بالمعلومات المغلوطة أو الاتهامات الموجهة للمذكورين في الفقرة الثالثة من المادة التاسعة، وتحال المخالفة إلى المقام السامي لاتخاذ القرار المناسب، إذا كان فيها إساءة للدين الإسلامي أو مصالح الدولة العليا أو عند اشتمالها على عقوبات تدخل في اختصاص القضاء، والمقصود هنا، في اعتقادي، العقوبات المقيدة للحرية أو الحدود الشرعية، ونقلت المادة الاربعون التظلم المحدد بستين يوما على قرارات اللجنة الابتدائية أو لجنة المخالفات الإعلامية سابقا، من ديوان المظالم إلى لجنة استئناف مشكلة من فريق مماثل للجنة الابتدائية ووقت مفتوح، وبشرط ألا تقل خبرة كل واحد من هؤلاء عن خمسة وعشرين عاما في مجال تخصصه، واختيار الأعضاء يتم بأمر ملكي تماما كاللجنة الابتدائية، وما تتفق عليه ويصدر عنها لا يقبل الطعن ويعتبر نهائيا ونافذا، وبما أن صلاحية رسم القواعد المنظمة لعمل اللجنتين واختصاصاتها متروكة للوزير طبقـا للنظام، ننتظر من الدكتـور عبدالعزيز خوجة، الوزير والشاعر والإنسان، رؤية شاملة وشروحات وافية تحفظ حقوقا عادلة ومرضية للأعلام والإعلام..
binsaudb@ yahoo.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 107 مسافة ثم الرسالة
نظام المطبوعات والنشر للأعلام والإعلام
1 مايو 2011 - 19:58
|
آخر تحديث 1 مايو 2011 - 19:58
تابع قناة عكاظ على الواتساب