لم تكن غزارة الشعراء عبر العصور المعيار الأهم للحكم على تميز نتاجهم الشعري، ولا كانت الرديفة التلقائية للفرادة والجودة.
لا بل إن الغزارة لا تعني الفحولة بالضرورة، بل توقع صاحبها في مطلب الاستسهال والإطناب والإفاضة الزائدة، ولذلك فإن النقاد العرب القدامى كانوا يتجنبون الرؤية إلى الشعر بوصفه كما من القصائد والمطولات، ويضعون للحكم عليه معايير مختلفة تتعلق بالجزالة وإصابة المعنى ومراعاة مقتضى الحال.. وغير ذلك، حتى جاء عبدالقاهر الحرجاني فقلب المعايير النقدية السائدة رأسا على عقب. وقد تكون حوليات زهير بن أبي سلمى هي المثل الأبلغ على استبدال الغزارة بالجودة وعلى «تقشير» اللغة وصقلها المفرط المفرط، كما يفعل النحاتون. كما أن نقادا عديدين توقفوا عند قصيدة واحدة لأحد الشعراء ورأوا في جمالها الباهر ما يرفعه إلى مرتبة الفحول، كما هو شأن المعلقات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض ناقدي الشعر كانوا يسبغون على شاعر ما صفة «شاعر الشعراء» بناء على بيت واحد من الشعر رأوا فيه إعجازا حقيقيا وإصابة نادرة الحدوث في مرمى الخيال الملغز.
لقد ذهب بعضهم إلى الاعتبار من جهة أخرى إلى أن وردة واحدة لا تدل على الربيع، فهل يمكن لقصيدة واحدة أن تشي بشاعرية كبيرة أو تفسح لناظمها مكانا بين الخالدين؟
قد تبدو الإجابة بنعم متسرعة بعض الشيء بالنسبة للعديد من القراء، لكن يكفي أن نعود بالذاكرة إلى أولئك الذين عرفوا بشعراء القصيدة الواحدة في التراث العربي لكي نتيقن من ذلك، ونتأكد من أن وردة من طراز نادر قد تختزل الربيع كله ليظل عبيرها محمولا مع النسيم على مدى الأزمنة، وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد هؤلاء جميعا، فيكفي أن نشير إلى بعضهم على الأقل من استطاعوا بقصيدة واحدة أن يكسروا جدار الزمن ويجدوا سبيلهم إلى الخلود.
ونتذكر في هذا السياق قصيدة «اليتيمة» التي نسبت إلى شعراء عديدين، أبرزهم دوقلة المنبجي، حيث تتم مزاوجة الحسي الروحي، وحيث المرأة مولودة من المثال الأنثوي المتخيل لا من الحضور الممتلك «فكست بواطنها ظواهرها / نوراً كأن زهاءه بُرد».
ونتذكر أيضا قصيدة مالك بن الريب في رثاء نفسه إثر لدغة أفعى على طريق خراسان، حيث الرثاء خروج عن التقاليد المستهلكة ووقوف مرير أمام وحدة الكائن الإنساني وأسئلة الوجود الكبرى: «يقولون لا تبعد وهم يدفنوني/ وأين مكان البعد إلا مكانيا!».
ونتذكر رائعة ابن زريق البغدادي التي تستذكر المرأة المفقودة والمكان المفقود في آن واحد، وتعبر بدورها عن غربة الشاعر وقلقه الأبدين «كأنما هو في حل ومرتحل/ موكل بقضاء الله يذرعه».
وسنجد بالطبع نظائر لهؤلاء المبدعين الثلاثة في قصائد قديمة مماثلة لعبد يغوث الحارثي والمنخل اليشكري ومتمم بن نويرة والصمة القشيري والأحيمر السعدي.. وغيرهم. وحتى لو كان بعضهم قد كتب قصائد ومقطوعات أخرى، فإن لكل منهم «يتيمته» وردة شعره التي ظلت تتوهج مع الزمن، وتؤكد مرة جديدة بأن قصيدة واحدة رائعة قد تؤمن لكاتبها جواز سفر مضمونا إلى الخلود، في حين أن عشرات المجموعات والدواوين قد تؤول إلى التلاشي والنسيان الكامل.