لسنا في مجتمع من الملائكة أو في مجتمع أفلاطوني حيث ينعدم حدوث أي خطأ ومشكلات فيه.. بل من الخطأ أن ننكر ونقول إن مجتمعنا يخلو من أي سلبيات.
فأول نقطة في وضع الحلول هي الاعتراف بالمشكلات ومن ثم أخذها على محمل الجد لوضع حد وحلول لها.
من القضايا التي تحدث في مجتمعنا هي قضايا التحرش بالإناث، ولو بشكل نسبي، وندرك جهود الجميع في تقنين هذه المشكلة أو القضاء عليها من جذورها، وقد لا يدرك الجميع الآثار النفسية التي تطرأ على حالة الضحية حينما تتعرض لعملية تحرش إلا من عايشها وبحال كهذه مختلفة لا بد من التعاطي معها وفق الظروف وبشكل سليم.. لبث شعور الاطمئنان في نفس الضحية وتخليصها من أزمتها النفسية بسبب شعور الخوف والهلع.
ولكن للأسف شيئا من هذا لا يحدث في كثير من الأسر في مجتمعنا التي لا تتعاطى مع ضحايا التحرش كما يجب، بل تقوم بسلوكيات خاطئة يبدو أنها تعود لأسباب موروثات اجتماعية أو عادات وتقاليد توجه للأنثى دوما أصبع الاتهام، وكأنما هي من رغبت أن تكون ضحية لعملية التحرش.
سلوك الأهالي السلبي بدوره يضاعف من حالة الضحية النفسية مما يسبب لها الاكتئاب والشعور بالازدراء والذنب، هذه الآلام النفسية الشديدة بطبيعة الحال سوف يكون لها عميق الأثر على كل مناحي حياتها بشكل عام ولو لفترة من الزمن.
طالبة في الثانوية العامة تسرد قصتها والألم الذي تشعر به جراء ازدراء أهلها لها، بعد أن أخبرتهم بما تعرضت له حينما اضطرت للعودة من المدرسة إلى منزلها سيرا على الأقدام، حيث أخبرتهم أنها قد تعرضت إلى تحرش ومضايقات على يد زمرة من الشباب الطائشين في أيام الامتحانات النهائية.
وحينما لجأت هذه الفتاة إلى والدتها وأخبرتها بالقصة.. وبختها وكأنما هي من دعت أولئك الذئاب البشرية إلى التحرش بها ومضايقتها، وكذلك حينما علم والدها بالأمر أيضا اتخذ ذات الموقف الذي اتخذته زوجته، هذا بدلا عن احتضان الفتاة واحتوائها والوقوف معها، وبث مشاعر الأمان والطمأنينة في نفسها، وتخليصها من مشاعر الخوف والهلع التي تشعر بها بعد عملية تحرش مخيفة ومرهبة.
أخبروني كيف للفتاة أن تتصرف في وضع كهذا؟ وبأي نفسية سيكون حالها؟ حيث إنها لم تجد من أهلها أي تعاون وأي تفهم لموقفها، بل وجدت الازدراء وتحميلها الذنب كله.

المشكلة ليست بالتحرش فقط
أوضح الأخصائي النفسي فيصل آل عجيان بأن المشكلة لا تقف عند عملية التحرش فقط بل بطريقة التعاطي مع حالة الضحية التي يتوجب أن تكون أكثر وعيا وتفهما للضحية لتخليصها من الآثار النفسية.
وأضاف «في كثير من الأحيان ما يشجع على التحرش أو الابتزاز هو عدم الشفافية بين أفراد الأسرة، فترى الضحية لا تخبر ذويها بما يحصل لها، فيعتقد الجاني أو المبتز أنه لن يجد رادعا لسلوكه لا من القانون ولا من ذوي الضحية، بسبب خوف الضحية من إخبار الأسرة بالقضية، مما يجعله يستمر في سلوك التحرش أو الابتزاز».

اللوم على الضحية
وأكد آل عجيان على أن توجيه اللوم للفتاة الضحية يشعرها ويرسخ في اللاشعور والعقل الباطن أنها هي مصدر الذنب والاثم والخطيئة مما يجعلها لا تفكر بالبوح لذويها مجددا عن أي موقف أو مشكلة تتعرض لها تستوجب تدخلهم، لشعورها بأنها هي مصدر الخطأ دوما كما عودتها الأسرة.. وحينما تخبرهم كأنها تقول أنا من أخطأت.. أكيلو علي من التهم واللوم والازدراء.
وهذا هو الخطأ الذي يقع فيه الأهالي.. ويجب أن يعوا طريقة التعامل والتعاطي المثلى مع ضحايا التحرش.

افرحوا بشفافية أبنائكم
ودعى آل عجيان إلى أن يتلقى الأهالي شفافية أبنائهم وصدقهم معهم بكل سرور، فحينما يخبر الأبناء بما يتعرضون له من مشكلات بكل شفافية ووضوح فهم بذلك يثبون وثبة كبيرة في القضاء على المشكلة ويساهمون في حلها.
كما أن الشفافية هي السبيل لتماسك العائلة.. وحفظ أفرادها من الوقوع في المشكلات التي تتضاخم بالسكوت عنها حينما تغيب الشفافية.
وانتقد آل عجيان الأسر التي تحارب هذه الشفافية بردة فعلها مع الأبناء وقال «لربما يوما ما ستدفع الثمن غاليا جراء محاربتها لشفافية الأبناء معها».

نصيحة للأسرة
وأكمل آل عجيان «يجب أن يكون هناك مجال لتفهم الأخطاء أو المشكلات وعلاجها بطريقة أمثل وألا نعتبر أمثال هذه المشكلات كارثة أو نهاية الحياة، وإلا سوف نقمع بوح أبنائنا بمشكلاتهم.. لظروف اجتماعية أو ما شابه.. فهذا يضاخم من المشكلات ولا يسهم في حلها»
وأضاف «من الظلم أن تحصل الضحية على العقاب بدلا من أن تحصل على التحفيز بسبب صدقها وشفافيتها مع أسرتها، نحن نحتاج من الأسر أن يكونوا أقدر على الاستيعاب بأنه ليس من عار أو ذنب وأن يتفهموا موقف الضحية».

دور الإعلام
من جانبها، أكدت الأستاذة هدية العالي عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن للإعلام الرسمي دورا في هذا، حيث يتوجب على الإعلام أن يسهم في نشر الوعي.. وفي كيفية التعامل مع القضايا المختلفة من بينها ضحايا التحرش الجنسي، والشفافية بين أفراد الأسرة، ونحن لسنا في مجتمع يخلو من الخطأ.. وتحصل لدينا قضايا تحرش جنسي والتي بطبيعة الحال لا يتعاطى معها الأهالي بشكل سليم.

ثقافة مجتمع
قالت الطالبة لاما فهد عبر وسائل التواصل الاجتماعي إن هذه السلوكيات تحصل في الأسرة لظروف اجتماعية بحتة، فالأسرة تتأثر بقيم وعادات المجتمع الذي تعيش فيه.. وكما نعلم أن مجتمعنا يضع المرأة دائما في دائرة الاتهام فتنتج عن ذلك سلوكيات خاطئة في طريقة التعامل مع ضحية التحرش التي بطبيعة الحال سوف تحمل الذنب.

كلام الناس
وأبدى عدد من المواطنين في مواقع التواصل الاجتماعي استياءهم من أن يتم التعاطي مع ضحية التحرش بهذه الطريقة والسلوكيات الخاطئة، وأكدوا أن لذلك آثارا سلبية على الضحية، وعزوا تلك الأسباب للموروثات الاجتماعية التي تضع اللوم وتوجه أصبع الاتهام دائما للأنثى لكونها أنثى.. وهي التي تعادل بأذهانهم مصدر الإغواء والخطيئة.

قلة الوعي
قال المحامي والكاتب سطم الغبين إن من يكمم أفواه ضحايا التحرش ويتهمهم بالمشكلة من الأهالي هو شريك للجاني، فهو يوجه لهم رسالة مبطنة للسكوت عن كل ما سوف يحصل لهم فيما بعد من مشكلات. وأكد على أهمية النزول لمستوى الأبناء والسماع لهم ولمشكلاتهم وكل مايؤرقهم.. فهذه أمور باعثة على الطمأنينة والأمان النفسي.