تعد المحاجي في وادي الحصي في وادي فاطمة، من أهم المشاريع الأمنية التي اتخذها أهل تلك المنطقة قبل نحو قرنين من الزمن، وهي عبارة عن بنايات حجرية تعتلي بعض الجبال في الوادي التابع الواقع شرق محافظة الجموم.
وبين الباحث التاريخي والمهتم بتاريخ الحجاز بدر الحياني أن وادي الحصي كان منذ القرن العاشر تقريبا يخضع إداريا لإقليم وادي فاطمة الخاضع لحاكم مكة، وكان يعج بالنشاط البشري والحركة التجارية، وهو يمتد من جبال أبو رحي غربا حتى صمد المجيدرات شرقا، ويحده من الشمال وادي الصهوة ومن الجنوب الهضاب الصخرية.
وأوضح أن سر هذ البنايات الصغيرة تعرف عند بعض العامة بالحصون، وهي ليست كذلك بالمعنى الحقيقي، بل هي عبارة عن ضفائر صخرية غير مسقوفة بالكامل ولم تلتزم بنمط موحد في بنائها، كما أن مساحتها مختلفة، وتعرف عند سكان وادي الحصي بـ «المحاجي»، وهذا المصطلح يعني سواتر صخرية وقائية ضد العدو، مشيرا إلى أن غالبها بني ما بين عام 1220و1226هـ، وذلك بعدما تعرض الأهالي لحملة عسكرية تأديبية شنها شريف مكة في ذلك الوقت.
بناء القلعة
وعن سبب هذه الحملة وتاريخها قال اللحياني إنه في شهر محرم من العام 1220هـ بنى رجال الدولة السعودية الأولى أثناء مشروعهم الخاص بضم مكة المكرمة قلعة كبيرة في وادي فاطمة وفق ما ذكره ابن بشر في عنوان المجد، حيث يقول «وفيها أمر سعود ببناء قلعة في وادي فاطمة المعروف في إقليم الحجاز فتم بناؤها وجعل فيها عسكرا يضيقون على الشريف غالب صاحب مكة وذلك في المحرم سنة عشرين ...» ج1 ص 182، مشيرا إلى أنه تم بناؤها في غضون ذلك التاريخ. ولحاجة هذه القلعة لرجال من أبناء المنطقة يستطيعون حمايتها ويدركون مسالك الدروب ومخارجها، عقدت إدارة القلعة معاهدة مع سكان وادي الحصي لحماية القلعة، وتم ذلك بالفعل في شهر محرم 1220هـ، وتولى الشيخ مصلح بن سالم الغريفي شيخ وادي الحصي هذه المهمة مع جماعته، وعندما أدرك حاكم مكة هذه المعاهدة شن حملة تأديبية قوية وسريعة في التاسع من شهر صفر العام 1220هـ وفق ما نص عليه عبدالله بن محمد عبدالشكور في مخطوطته، حيث يقول «في تاسع شهر صفر أرسل صاحب الترجمة ... قدره مصان غزية خيل وركاب على قبيلة يقال لها بني لحيان ... كانوا نازلين بشعب من وادي الطرفا قريب يسمى شعب الذيب فقتلوا ثلاثة من أولئك المارقين وأخذوا من البهيم نحو خمسين وأظن أن بقيتهم حدروا عنه عندما سمعوا سبابك الخيل تولوا واستكبروا...»، يشار إلى أن المخطوطة كاملة في مكتبة الحرم قسم المخطوطات43/3. وأضاف أنه نتج عن هذه الحملة مقتل نحو 20 رجلا، وفق ما نصت عليه الرواية الشفاهية، مع تدمير للممتلكات وسلب المواشي وكانت ضربة شديدة القسوة، وهي من أشد الوقعات العسكرية التي تمت في النصف الأول من القرن الثالث عشر، واستغرب أن المؤرخين لم يتنبهوا لها باستثناء إشارات بسيطة لعبد الله محمد عبد الشكور في مخطوطته. وقال «نحن هنا بدورنا نوثق هذه الحملة فلعلنا نكشف عن الكثير من أسرارها مستقبلا».
الاستكشاف والتحذير
وعن هدف هذه المحاجي ذكر اللحياني أنها صممت بهدف الاستكشاف والتحذير لدرء أي خطر قادم يهدد قلعة وادي فاطمة أو أهل الحصي ومنع أي تسلل مستقبلي وفيها رماة متمرسون يستطيعون التصويب من خلف هذه المحاجي، وبالفعل ضمن قادة القلعة وأهل الحصي عدم حصول أي تسلل آخر وكانت فعالة في ضبط الجهتين الشرقية والشمالية. وحول التزامهم بنص المعاهدة ويقول اللحياني «إن أهل وادي الحصي كما هو معروف، ظلوا أوفياء للمعاهدة طوال فترة بقاء قلعة وادي فاطمة والتي امتدت نحو ثماني سنوات رغم التهديدات الخطيرة التي كان يتوعد بها حاكم مكة في ذاك الوقت، وما ترتب على ذلك من أذى شديد خصوصا بعد منعهم من دخول مكة من قبل الحاكم، كما فرض حظرا عليهم بعد ذلك حتى بعد عام 1235هـ باعتبارهم مناوئين، وأخذوا يمارسون نشاطهم الرعوي والزراعي بشكل طبيعي رغم الحظر عليهم، وظلوا مرابطين في تلك المحاجي لحماية أنفسهم واستمروا في وادي الحصي حتى تغيرت الأحداث بعد ذلك». وقال اللحياني إن سكان وادي الحصي ظلوا يسكنون فيه حتى بعد الحملة، وبنوا بعض المساكن الحجرية محتمين بما تيسر لهم من دفاعات، وبعد استتباب الأمن على يد المؤسس الملك عبدالعزيز طيب الله ثراه، لم تعد الحاجة لهذه المحاجي قائمة وأصبحت شاهدا على مشروعهم الأمني، مفيداً أنه مازال أحفاد أهل وادي الحصي يستثمرون هذه الأرض بما تجود به من منافع ويدركون جيدا ما قدمه أجدادهم في سبيل مبادئهم كما يعلمون القيمة التاريخية لمشروعهم.
شاهد تاريخي
أوضح بدر اللحياني أن سر بقاء هذه المحاجي على ما هي عليه يعود إلى محافظة سكان وادي الحصي على ممتلكاتهم في الوادي ومنها هذه المحاجي التي يعتبرونها شاهدا تاريخيا على مرحلة مهمة من ماضيهم.
مشروع أمني محكم لحماية وادي فاطمة قبل قرنين
محاجي الحصي .. حصون تشهد على التاريخ والقوة
20 يونيو 2013 - 02:16
|
آخر تحديث 20 يونيو 2013 - 02:16
محاجي الحصي .. حصون تشهد على التاريخ والقوة
تابع قناة عكاظ على الواتساب
محمد سميح (مكة المكرمة)