لا أفهم كيف جعلنا من الصعب جدا أن يجد الواحد منّا مساحة، ولو صغيرة، على شاطئ جدة الممتد يستطيع أن يصلها بسهولة ويمارس فيها السباحة بأمان، بل لا أصدق أننا نجحنا بامتياز في جعل السباحة الآمنة في شاطئ جدة شبه مستحيلة. دائما أتذكر، بكل حسرة، ذلك الشاطئ الممتد الجميل برماله البيضاء الناعمة ومياهه النقية الدافئة التي كنا نستمتع فيها بالسباحة أيام طفولتنا وشبابنا، خاصة في أماكن مختارة مثل خليج أبحر، الذي كان يمكن، لو تمت المحافظة عليه وأُحسن تصميمه واستغلاله، أن يكون من أجمل وأنظف الأماكن الصالحة للسباحة الآمنة في العالم على مدار العام. وقبل خليج أبحر بسنوات كانت هناك بحيرة الأربعين التي كانت تعتبر «مسبح» أهالي جدة، كما يروي لنا آباؤنا، وكانت تقام فيها مسابقات السباحة بين الشباب. للأسف، كما يعرف الجميع، كانت هذه البحيرة هي أول ضحية «بيئية» في جدة. وبدل أن تكون مركزا للمدينة، كما هو الحال بالنسبة إلى بحيرة جنيف وغيرها من المدن ذات البحيرات الجميلة، تحولت بحيرة الأربعين بسبب قصر نظرنا وسوء تخطيطنا وتصرفنا، إلى أكبر خزان مفتوح - «بيارة» - للصرف الصحي في العالم، وأصبحت الجهود الآن منصبة فقط على إخفاء رائحتها التي تزكم الأنوف والتخفيف من حدة تلوثها. أما شاطئ خليج أبحر فقد واجه مشكلة الدفن الذي أدى إلى تغطية رماله بالردميات لإقامة الطرق والمنشآت والمباني السكنية التي يمتد بعضها إلى داخل الماء، ثم واجه مشكلة الاحتكار التي منعت أغلبية الناس من الوصول إلى أجزاء كبيرة منه. كما أن الخليج لم يسلم بدوره من التلوث بالصرف الصحي أو النفايات أو زيوت القوارب والمركبات الرياضية الأخرى.
الاحتكار والردم والتلوث كانت أهم أسباب تدمير شاطئ جدة وجعله غير متاح أو غير صالح أو آمن للسباحة. وقد كتبت كثيرا وكتب الكثيرون غيري عن هذه المشاكل – المآسي- التي يصعب إصلاحها. اليوم أكتب عن سبب آخر يجعل السباحة ليس فقط في خليج أبحر وشواطئ أخرى داخل نطاق مدينة جدة بل حتى في شواطئ خارج نطاق المدينة، مخاطرة حقيقية تحمل خطر الإصابة البالغة أو حتى الوفاة وهو الآليات البحرية مثل القوارب والزوارق السريعة، وأكثر من هذين، الدبابات البحرية أو - بالترجمة الحرفية- الزلاجات النفاثة «الجت سكي». هذه الجت سكي هي آخر ما عانيت منه خلال إجازة عيد الفطر الماضي عندما حاولت أن أقنع نفسي بأنه مازال لدينا في ضواحي جدة أماكن آمنة على الشاطئ ،يمكن السباحة فيها.
بعض من يحاولون الوصول إلى شواطئ نظيفة مفتوحة بالقرب من جدة للسباحة يضطرون إلى قطع مسافات طويلة، قد تصل إلى 150أو 200 كيلومتر، للبعد عن التلوث وقد يصلون إلى قرى ساحلية أخرى مثل ثول قبل أن يجدوا مكانا مناسبا. أما أنا فقادتني قدماي إلى أحد المنتجعات الساحلية الكبيرة الذي يقع على بعد ساعة تقريبا من جدة. الخلجان الممتدة التي حفرت إلى الداخل في هذا المنتجع، عندما تكون خالية، تبدو في غاية الهدوء والأمان وبعض الشواطئ الرملية تغري بالسباحة. وهكذا كان، حين حاولت أن أستعيد ذكريات السباحة الجميلة أيام الطفولة بل أن أنقل هذه الذكريات إلى العيال –الأحفاد-.
لم تعطنا الجيت سكي أية فرصة حينما أخذ عدد منها ينطلق حولنا مثل القذائف. هذه الجت-سكي آليات جهنمية، سريعة جدا، مثيرة وممتعة لمن يقودها، مما جعلها تنتشر بين محبي الرياضة البحرية مثل انتشار النار في الهشيم. تمنح إمكانية هذه المركبات القائد الماهر إمكانية التحكم الكامل فيمكن له القفز والالتفاف المفاجئ ورش كمية كبيرة من الماء إلى الجانب أو الخلف. كل ذلك يجعل الشباب يستعملون الجت سكي للاستعراض والقيام بحركات بهلوانية والمزاح مع بعضهم البعض برش الماء الغزير والاستمتاع بالإثارة التي تحققها السرعة الكبيرة. كل ذلك لا بأس به لو كان استعمال هذه المركبات يقتصر على الأشخاص المدربين ويتم في أماكن مخصصة لهذا النشاط مثل ما هو الحال بالنسبة لسباق السيارات المنظم في دول العالم المتقدم. أما أن تنطلق هذه المركبات بأقصى سرعة تحت قيادة مبتدئين بعضهم ربما كان يجربها لأول مرة وأن يحدث ذلك وسط شاطئ يعج بالسابحين، فلا أعتقد أنه يسمح به إلا عندنا أو في بلاد أكثر منا تهاونا في تطبيق قواعد السلامة بالنسبة لمثل هذه الآليات. وبالإضافة إلى خطر التصادم فإن الجيت سكي تحضر معها الإزعاج بسبب صوت محركها النفاث الهادر وما يطلقه من غازات خانقة تلوث نسيم البحر ومن زيوت أو مخرجات تعكر صفاء الماء.
اضطرتنا الجيت سكي إلى الخروج من الماء وإلغاء مشروع السباحة، واكتفينا مرغمين بالوقوف بعيدا لمشاهدة استعراض المهارات الفردية للشباب الذين يمزحون مع بعضهم برش الماء المنهمر على أصدقائهم في المركبات الأخرى أو حتى على من يسبحون أو يجلسون بالقرب من حافة الشاطئ. عدد من الشباب والأطفال استمروا في السباحة بين الجيت سكي المنطلقة غير شاعرين بخطورة الجت سكي. أما أنا فقمت بالاتصال بإدارة السلامة في المنتجع لإبلاغها عن وجود خطر من الجت سكي على السابحين في ذلك الشاطئ المزدحم. سألت الإدارة إذا كان من المسموح به أن تقترب الجت سكي بأقصى سرعة من الشاطئ المزدحم بالسابحين، أم أن هناك أنظمة تمنع ذلك مثل بقية دول العالم المتحضر. لم تكن هناك إجابة واضحة وأفادني المسؤول بأن ذلك الأمر يتعلق بخفر السواحل. سألت المسؤول هل سبق أن وقعت حوادث من الجت سكي في ذلك المنتجع. أجابني بأنه سبق أن وقعت ثلاث حوادث، نتج عنها وفاة واحدة وعدة إصابات، وأضاف بأن بإمكان سكان المنطقة المطلة على ذلك الشاطئ وضع خط فاصل من العوامات يمنع اقتراب الجت سكي من مكان السباحة على الشاطئ أما الإدارة فلا يمكنها تحمل النفقات اللازمة لوضع هذا الخط. أحالني المسؤول بعد ذلك إلى مكتب خفر السواحل بالمنتجع الذي ُأفادني بأن مهمة هذه الجهة تتركز على المشاركة في عمليات الإنقاذ عند وقوع الحوادث البحرية المختلفة وأن أكثر ما يشغلهم إعادة الجت سكي التي يتمادى سائقوها ويذهبون بها بعيدا إلى البحر المفتوح ثم تتعطل مركباتهم هناك. وأخيرا دعاني موظف خفر السواحل لمناقشة ما يتعلق بخطر الآليات البحرية السريعة على السابحين مع المدير المسؤول في وقت لاحق.
حاليا أرجو أن يقوم خفر السواحل وإدارات المنتجعات الساحلية التي يكثر فيها استعمال الجت سكي والزوارق السريعة بوضع سلامة السابحين في الاعتبار وبتطبيق أنظمة السلامة العالمية التي تمنع اقتراب هذه المركبات من مناطق السباحة ،إضافة إلى الأنظمة التي تحمي من يقود هذه المركبات أنفسهم من حوادث الاصطدام الخطرة.
السباحة في جدة عانت كثيرا بسبب تلوث الشواطئ وردمها وإغلاقها ،وهي تعاني الآن من أخطار المركبات البحرية السريعة، خاصة الجت سكي. وهذه الأمور حرمت المواطنين والزوار من الاستمتاع بهذه الرياضة المحببة في شواطئنا التي حباها الله بأن تكون من أفضل الأماكن لهذه الرياضة وغيرها من الرياضات البحرية، ومن المؤسف أن الكثير من المواطنين والمسؤولين لا يعيرون أمور السلامة في هذه الرياضة أو غيرها أدنى اهتمام، معرضين أرواح الكثيرين إلى خطر الإصابات الجسيمة.
السباحة في جدة.. مخاطرة حقيقية
4 نوفمبر 2006 - 19:50
|
آخر تحديث 4 نوفمبر 2006 - 19:50
تابع قناة عكاظ على الواتساب