بالإمكان – بالطبع – تقسيم (وتصنيف) الاستعمار، إلى «أنواع» عدة... منها النوعان: الاستعمار القديم، والاستعمار الجديد. وغني عن القول، إن كراهية الظلم والاستغلال، ومعارضة قيام علاقة «سيد – مسود بين الدول، ورفض «العنصرية»، التي يتضمنها الاستعمار – بشتى أنواعه – أدت إلى: بعث الشعور القومي(الوطني) بين الشعوب المستعمرة (بفتح الميم الثانية)... وبالتالي، انتعاش ظاهرة «القومية» التي من ضمن عناصرها: الاعتزاز بالذات، ورفض الخضوع لإرادة الغير...
وقد وضح أن هذا النضال ضد الاستعمار، قوة... يصعب وقفها، وخاصة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، التي انتهت عام 1945م. وبعد صدور ميثاق الأمم المتحدة، الذي دعا – ضمن ما دعا إليه – إلى: الحرية وتصفية الاستعمار، وضمان حق «تقرير المصير» للشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار. ونتج عن ذلك، رسوخ مبدأ «السيادة» وعدم أحقية أية دولة في استعمار دولة أخرى، وإخضاع شعبها – لحكمها – سواء مباشرة، أو غير مباشرة.
ونتيجة لإنهاك اليابان، وهي القوة الاستعمارية الآسيوية الرئيسية، في التاريخ المعاصر، اضطرت لمنح الاستقلال لما استعمرته، من بلاد آسيوية مجاورة لها. وكذلك القوى الاستعمارية الأوربية التقليدية (بريطانيا، فرنسا، وغيرهما). وبحلول عام 1960م، ظهرت عدة دول جديدة، مستقلة، وانضمت إلى «هيئة الأمم المتحدة»... الأمر الذي زاد من عضوية هذه المنظمة، من الدول، إلى أكثر من ضعفي العدد الذي بدأت به نشاطها (50 دولة).
وكل هذا، أدى إلى: تضييق الخناق على الاستعمار ( القديم )، وتصعيد رفضه... واعتباره (من قبل غالبية شعوب العالم) شراً مستطيراً، يجب التخلص منه، مهما ارتفعت التضحيات، وعلا ثمن التحرر.
وفي عام 1960م أيضاً، أقرت الأمم المتحدة الإعلان التاريخي، المعروف بـ «التعهد بمنح الاستقلال لكل المستعمرات»، والذي يبدو أن القوى الكبرى ( الاستعمارية ) اضطرت لتبنيه.... منعا للصراع – على المستعمرات – فيما بينها. وفي السنة التي تلته، أنشأت الجمعية العامة «اللجنة الخاصة لتصفية الاستعمار»... كي تنفذ ذلك المبدأ، في الواقع الفعلي. وقد عمت موجة التحرر، التي تفجرت في آسيا أولاً، قارة أفريقيا، في نهاية الخمسينات، وبداية الستينيات. الأمر الذي أسفر عن استقلال أكثر من 30 دولة أفريقية جديدة، وانضمامها إلى «الأمم المتحدة».
وكما هو معروف، تتكون هيئة الأمم المتحدة من ستة فروع رئيسية مترابطة، هي: الجمعية العامة، مجلس الأمن، المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مجلس الوصاية، الأمانة العامة، محكمة العدل الدولية. ويبدو أن أحد هذه الفروع، وهو مجلس الوصاية، قد استنفد أهدافه، ولم يعد لبقائه مبرر يذكر. ففي فترة نشوء الأمم المتحدة كانت هناك أقاليم تحت انتداب بعض الدول، بموجب عهد عصبة الأمم، وأقاليم موضوعة تحت «وصاية» بعض الدول. لهذا، خصص أحد فروع الأمم المتحدة لتولي مهمة الإشراف على تلك الأقاليم... حتى يتحدد وضعها النهائي، ويلغي وضعي الانتداب والوصاية. ويقوم هذا المجلس بالتنسيق بين سكان هذه الأقاليم، والقوى المنتدبة، والعصبة (الأمم المتحدة فيما بعد). وقد حصلت الغالبية من الأقاليم التي كانت تحت نظامي الانتداب والوصاية هذين، على الاستقلال السياسي كما ذكرنا. حيث ساهم مجلس الوصاية في تحقيق ذلك الاستقلال...
والآن، أصبحت الغالبية العظمى من مناطق العالم وبلدانه مستقلة – رسمياً، على الأقل. وأصبح معظمها أعضاء في الأمم المتحدة... مما أوصل عدد أعضاء هذه المنظمة إلى 192 دولة، في الوقت الحالي. وقد تم استقلال هذه الدول – عدا الجزائر ودول أخرى قليلة– بقدر قليل من العنف، والكفاح المسلح... وانتقل أكثر من بليون نسمة – يشكلون سكان هذه البلاد – إلى مرحلة الاستقلال، دون سفك كثير من الدماء. ويعتبر هذا التطور واحداً من أبرز الظواهر السياسية التي شهدها القرن العشرين – وخاصة في نصفه الثاني، الذي أعقب انتهاء الحرب العالمية الثانية. كما استقلت كل البلاد العربية – عدا فلسطين – بعد كفاح مرير، ضد المستعمر الغربي – كما هو معلوم. وظلت فلسطين وحدها ترزح تحت استعمار استيطاني، لم يشهد له التاريخ البشري مثيلاً، في قسوته وظلمه... حيث يؤتى بيهود ( صهاينة )، من شتى بقاع الأرض، ليحلوا محل سكان فلسطين الأساسيين، بالقوة، والإرهاب... وبأوهى الحجج.
كما فاجأت الإدارة اليمينية الأمريكية العالم بغزو واحتلال العراق، في مارس 2003م... بعد احتلالها لأفغانستان، في سابقة خطيرة، تمخضت عنها إعادة العالم إلى عهد «الاستعمار – القديم».... وليصبح العراق بلداً محتلاً، بعد أن كان مستقلاً، منذ العام 1932م.
لم تبق، إذن، سوى مناطق قليلة جداً، تخضع للاستعمار المباشر (القديم)، الذي مازالت تمارسه بعض دول العالم، وفي مقدمتها: بريطانيا، فرنسا، أمريكا، البرتغال، أسبانيا، وروسيا أيضاً (وخاصة إذا اعتبرنا أن بعض جمهوريات روسيا «الإسلامية»، وعلى رأسها الشيشان، تريد الاستقلال عن روسيا... بينما ترفض الأخيرة – بشدة وإصرار – ذلك التطلع، المشروع).
ونظراً لأن غالبية أعضاء الأمم المتحدة،، وخاصة في «الجمعية العامة»، قد أصبحت تتكون من الدول النامية، حديثة الاستقلال، فإن هذه الدول ضغطت (كثيراً) في سبيل: تصفية ما تبقى من استعمار... وأخذت تنادي بمساعدتها في عملية التنمية، الاقتصادية والاجتماعية، والسياسية (الإيجابية) التي تتطلع شعوبها إليها... كما بدأت هذه الدول تندد بـ «الاستعمار الجديد»، وترفضه... مؤكدة على مبدأ: احترام السيادة وعدم «التدخل» في الشؤون الداخلية، للدول، الذي ينادي به ميثاق الأمم المتحدة. وكما هو معروف، خرجت كثير من هذه الدول (النامية) من طاحونة الاستعمار القديم، لتقع في براثن: الاستعمار الجديد، أو يرزح بعضها تحت نير ديكتاتوريات عسكرية... تحترف الإجحاف ببلادها، وشعوبها. بينما سقط البعض الآخر منها في: هاوية الحروب والصراعات «الأهلية»، المدمرة...
ورغم أن اللوم الأكبر، على هذه الانتكاسة، يجب أن يقع على قادة هذه الدول ونخبها، إلا أن «الاستعمار» أسهم بنصيب كبير (جداً) في ما آل إليه وضع هذه الدول. فالدول الكبرى – أو معظمها – لم تقلع بعد (وربما لن تقلع أبداً) عن «عادة» التدخل، في شؤون البلاد الأضعف، نسبياً. بل كانت - ومازالت - «تتفنن» في ابتداع وسائل وطرق مختلفة، لهذا التدخل... الذي يهدف – في النهاية – إلى استغلال إمكانيات هذه البلاد المختلفة (وخاصة تلك الغنية بمواردها الطبيعية وموقعها المتميز ) لصالح المستعمر، ولأقصى مدى ممكن.
وهكذا، انتهى «الاستعمار القديم» البغيض... ولكن بدأ استعمار من نوع آخر، أشد شراسة، وضراوة، وضرراً، من سابقه، هو ما يعرف بـ «الاستعمار الجديد»، أو «الإمبريالية». وعن هذا الاستعمار – الجديد – قد نتحدث، في مقال قادم.