قبل حوالي ستة اشهر وبالتحديد في التاسع والعشرين من شهر مارس الماضي فقد الوسط الاقتصادي والمالي السعودي احد ابرز خبراء الاقتصاد والصيرفة السعودية واول سعودي يحصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد في العام 1967م من الولايات المتحدة الامريكية حيث انتقل الى رحمة الله تعالى الدكتور يوسف بن عبدالوهاب نعمة الله عن سبعين عاما قضاها في تأسيس الاقتصاد الاكاديمي في الجامعات السعودية والمساهمة في تطوير العمل المصرفي السعودي.
ولد الدكتور يوسف نعمة الله في الثاني من ديسمبر من عام 1936م في حارة العلوي القديمة في مدينة جدة لاسرة فقيرة حيث اضطر للعمل وهو في سن مبكرة لاعانة عائلته واشتغل نجارا في الصباح مع مواصلة دراسته في فترة المساء حتى تحصل على الثانوية العامة بتقدير امتياز ومن بين العشرة الاوائل على مستوى المملكة حيث تم ابتعاثه الى الجامعة الامريكية في بيروت وحصل على شهادة البكالوريوس في علم الاقتصاد ليعود الى المملكة ويعمل معيدا في جامعة الملك سعود وتبتعثه الجامعة مرة اخرى الى الولايات المتحدة الامريكية لدراسة الماجستير والدكتوراه في علم الاقتصاد ايضا من جامعة ماساشوتس بالولايات المتحدة الامريكية حيث قام بتدريس مادة الاقتصاد هناك قبيل حصوله على الدكتوراه خلال العامين 1965-1966م وعاد الى جامعته في الرياض وعمل بها حتى تسلم عمادة كلية (التجارة) في ذلك الوقت حينما كان اسم الجامعة جامعة الرياض.
يقول عنه الدكتور امين ساعاتي الوزير المفوض بجامعة الدول العربية للشؤون الاقتصادية الدولية وزوج ابنة شقيقة حياته لم تكن مفروشة بالورود فقد كافح منذ الصغر حتى اصبح رائدا من اهم رواد الاقتصاد السعودي بل وصاحب احدى الاولويات في هذا الشأن حيث يتذكر ساعاتي انه في الثمانينيات الهجرية الستينات الميلادية بدأت قوافل دارسي الاقتصاد تصل الى ارض الوطن مقبلة من الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا ودول اخرى والمملكة المتحدة بعد ان انهت المتطلبات العلمية للحصول على درجة الدكتوراه وكان الفرح بهم كبيرا من قبل المسؤولين وكبار رجال التعليم وحينها كتب وزير التعليم العالي الاسبق الشيخ حسن بن عبدالله الله الشيخ رحمه الله مقالا لافتا في احدى الصحف بعنوان «حملة الدكتوراه.. بلغوا التسعة» ويقصد ان عدد السعوديين الحاصلين على شهادة الدكتوراه في ذلك الوقت بلغوا تسعة دكاترة من بينهم الدكتور يوسف الذي يعد اول الحاصلين على هذه الشهادة من ابناء المملكة واسند اليه تدريس علوم الاقتصاد في كلية التجارة (كلية العلوم الادارية) في جامعة الملك سعود اضافة الى مساهمته في انشاء جامعة الملك عبدالعزيز في جدة وقيامه بتدريس مادة النقود والبنوك في كلية الادارة والاقتصاد فيها حيث تقول عنه ابنته الكبرى السيدة «تحية يوسف نعمة الله» انه ساهم في تأسيس تلك الجامعة في بداياتها وقام بالتدريس فيها بالمجان الى عام 1973م وتضيف ابنته تحية انه تمت اعارته وقتها الى سلطنة عمان حيث قام بتأسيس البنك المركزي العماني وعينه السلطان قابوس محافظا للبنك المركزي لمدة ست سنوات انتهت في 1978م حيث عاد الى المملكة وعمل وكيلا لوزارة المالية والاقتصاد الوطني حينها اضافة الى قيامه بمهام مستشار وزير المالية والاقتصاد الوطني حينها الامير مساعد بن عبدالرحمن رحمه الله ثم الوزير محمد ابا الخيل وزيرها الاسبق ومع احتلال المملكة لمركزها الاقتصادي المرموق تم اختياره كما تقول ابنته الكبرى لوظيفة مندوب المملكة وممثلها الدائم لدى صندوق النقد الدولي وظل في منصبه الدولي خمسة عشرة عاما.
وأضاف الدكتور ساعاتي انه بعد تحرير الكويت لعبت المملكة دورا رئيسيا في دفع جامعة الدول العربية لتفعيل آليات العمل الاقتصادي المشترك وكانت التوجهات الاقليمية والدولية تتجه الى قيام التكتلات الاقتصادية وهنا تم تعيينه في منصب الامين العام المساعد للشؤون الاقتصادية وكانت اولى الخطوات التي قرر ان يقوم بها ان يعيد الروح الى اتفاقية الوحدة الاقتصادية التي اقرها مجلس الجامعة في عام 1950 ولكن للاسف ظلت هذه الاتفاقية حبيسة الملفات ولم تر النور طوال 55 عاما وقام بوضع آليات تنفيذ هذه الاتفاقية وكان يقول ان الالم يعصرني لان العرب فوتوا مئات الفرص واهتموا بالشعارات والمزايدات ودفعوا الاثمان باهظة حتى ضاعت الفرص واصبح الاقتصاد العربي يعاني من التخلف والقصور ويرى ساعاتي ان الجامعة حققت ابان عمله امينا مساعدا فيها خطوات جيدة في المجال الاقتصادي ولكن نظرا لان الارادة السياسية العربية هي التي تهيمن على كل التوجهات فقد اختلف الدكتور نعمة الله مع توجهات الدكتور احمد عصمت عبدالمجيد ولم يكن امام المفكر الاقتصادي الا ان يبقى في محراب الاقتصاد ويبتعد عن السياسة ويذهب ليتفرع لعمله الخاص.
رجل اقتصاد دولي
لايكاد يذكر الاقتصاد السعودي والمصرفية السعودية واقسام الاقتصاد الاكاديمية في الجامعات الا ويشار بالبنان الى الدكتور يوسف نعمة الله فطلبته كثر ومن تعلموا الاقتصاد على يديه اكثر ويقول لنا عنه الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز التويجري رئيس هيئة السوق المالية والامين العام للمجلس الاقتصادي الاعلى والذي عمل فترة في صندوق النقد الدولي لقد كان الدكتور يوسف شخصية اقتصادية بارزة على المستوى الدولي وخاصة في مجال ادارة الصندوق وكان من البارزين في ادارته ويتمتع باحترام وتقدير كبيرين من كبار الاقتصاديين في هذا المجال ويشير الدكتور التويجري الى انه لمس عن ذلك على كثب عندما قام بالعمل في فترة من الزمن في ادارة الصندوق ورغم انه التحق بالعمل هناك بعد انقضاء فترة نعمة الله الا ان سمعته الحسنة بقيت في اذهان كبار اداريي الصندوق الدولي حيث كان يتمتع بشخصية مستقلة وله بصمات بارزة في مجال عمل الصندوق الدولي بالاضافة طبعا الى سجله الاكاديمي والجامعي حيث يعتبر من اوائل الاقتصاديين الذين كان لهم دور كبير في تطوير التعليم الاقتصادي الجامعي في المملكة في وقت مبكر.
قليل الكلام
حدثنا عنه خالد المقيرن عضو مجلس الادارة التأسيسي لبنك البلاد بالقول معرفتي اللصيقة به كانت منذ البدء في التمهيد لانشاء البنك حيث كانت مؤسسته المصرفية احدى المؤسسات التي نتج عنها الاندماج للبنك ولقد وجدته رجلا في منتهى الحكمة يتمتع بخبرة مصرفية واقتصادية كبيرة جدا ولقد استفاد منه مجلس ادارة البنك وكان هناك حرص كبير والحاح على ان يكون من بين اعضاء مجلس الادارة واتذكر انه كان قليل الكلام واذا تكلم ينطلق للموضوع مباشرة اضافة الى تواضعه على الصعيد الشخصي مما اكسبه محبة الجميع مضيفا لقد افتقدناه وافتقده الاقتصاد السعودي ويعبر المقيرن عن اسفه ان وضعه الصحي في فترته الاخيرة لم يساعده على الحضور لاجتماعات البنك وانهم كانوا بأمس الحاجة اليه والى خبرته.
الرجل العملي
ويكشف لنا حفيده (طارق امين عبدالغفار) البالغ من العمر 31 عاما والنجل الاكبر لابنته الكبرى تحية عن جوانب في شخصيته حيث يقول اتسمت شخصيته بالعملية حيث كان رجلا عمليا ودقيقا جدا ولقد عشت معه جانبين من التعامل الاول هو تعاملي مع الجد الذي يحب احفاده واسرته ويساعدهم ويعتني بأمورهم ثم الوجه الاخر الذي اكتشفته بعد ان اصبحت موظفا في شركته المصرفية قبل اندماجها في بنك البلاد لقد كان منظما ودقيقا بشكل يكاد يزعج الاخرين واتذكر انه قد لايستقبل احدا اذا تأخر عن موعد اجتماع محدد معه مسبقا وكان كل شيء لديه بنظام وتوقيت حتى في المنزل وفي اوقات الراحة والطعام واستقبال الضيوف والزائرين اضافة الى انتظام شديد في مواعيد النوم والاستيقاظ والذهاب الى العمل والانصراف منه ولقد استفدت منه كثيرا في مسألة الانضباط في العمل حيث كان يتعامل معي مثلي مثل اي موظف اخر وكأنني لست حفيد.
وتقول عنه ابنة اخيه «وداد علي نعمة الله» حرم الوزير المفوض بجامعة الدول العربية الدكتور امين ساعاتي ووالدة الدكتورين تميم وتامر ساعاتي انه كان بمثابة والدها الثاني وانها من اكثر الناس الذين افتقدوه وتتذكر هداياه واهتمامه بها وتوجيهها حتى اثناء مرضه.
في ذهن ابنته الكبرى
اسرته تتكون من زوجته وثلاث بنات كلهن متزوجات الكبرى هي تحية ولديها ثلاث بنات وولد وكذلك ابنته «ليلى» وتعمل في مجال المحاماة وتحمل الجنسية الامريكية ثم «دينة» وهي ايضا مستقرة في الولايات المتحدة الامريكية.
تقول عنه ابنته الكبرى ام طارق لقد افتقدناه كأب وصديق احتوانا كثيرا وقدم لنا ما نحتاج لقد كان حريصا على احترام المرأة وان تأخذ كل حقوقها فكان يدعمها ويشجعها على العمل وكان ذا عقلية منفتحة ومن المؤيدين لعمل المرأة وكان يحتفي باحفاده ويعطف عليهم ويلاعبهم ومن شدة حبه لابني طارق وتشجيعه له على العمل اهدى اليه كل الادوات والاجهزة والمكاتب التي كانت تخص مؤسسته «انجاز» بعد اندماجها في بنك البلاد لكي يبدأ طارق بذلك عمله المستقل وعن ذكرياته معه اثناء طفولتها تقول انني اتذكر وخاصة في رمضان فيما مضى انه كان يصطحبنا معه في السيارة بعد صلاة العصر ويذهب بنا الى جدة القديمة حيث يحدثنا عنها كثيرا وعن معالمها ولازلت اتذكر هذه النزهة اليومية الرمضانية والتي كنا نحبها كلنا عندما كنا نسكن في حي البغدادية وقبل ان تتوسع جدة الى ما هي عليه الان وتضيف ان علاقتها به خاصة جدا حيث كان يطلق عليها صديقته واخته وامه كما تتذكر شيئا مهما اثناء رمضان وهو الصلاة الجماعية للمغرب في المنزل بعد الافطار عندما يكون متواجدا في جدة لان هناك اياما كان يقضيها في السفر للعمل وحرصه على اداء العمرة في رمضان وتوزيع الصدقات على المحتاجين من المعارف وغيرهم وقراءته للقرآن الكريم وكلها امور تقول انهم افتقدوها بوفاته رحمه الله وتتذكر الاجتماع العائلي والاسري في رمضان وعن برنامجه في رمضان تقول ابنته الكبرى انه اضافة الى تعهده قراءة القران واداء العمرة والاجتماع الاسري كان يذهب الى النوم في وقت مبكر نسبيا في حدود الثانية عشرة ليلا ثم يستيقظ للسحور واداء الصلاة ويذهب الى عمله في وقت مبكر وبعد عودته من العمل يأخذ وقتا للراحة وكان غير متطلب في طعامه حيث يفضل الاكل الخفيف وتضيف انه تنقل كثيرا للعمل بين امريكا والرياض ومسقط ثم تقاعد في وقت مبكر لظروفه الصحية واستقر في جدة يدير مؤسسته الخاصة للصرافة وتختم قولها بأنه في العام الماضي في رمضان كان مبتعدا عنهم للعلاج وانهم وكثيرين يفتقدونه اكثر هذا العام حيث كان خيره وصدقاته تذهب الى العديد من الاسر.
حاصل على أول دكتوراة في الإقتصاد بالمملكة
نعمة الله.. من حواري جدة إلى صندوق النقد الدولي
14 أكتوبر 2006 - 19:41
|
آخر تحديث 14 أكتوبر 2006 - 19:41
تابع قناة عكاظ على الواتساب
حزام العتيبي (الرياض)