رحل «متعب» تجار المخدرات ولا زال لاحلامه في وطن آمن ومستقر لأرض الحرمين الشريفين بقية.. كان يوم الخامس من الشهر الخامس من العام الحالي 1427هـ موعده مع القدر لينتقل اللواء المرحوم جميل بن محمد العلي الميمان الى جوار ربه وقد بكاه ونعاه الغريب قبل القريب لما ترك من صفحات بيضاء ناصعة ومواقف رجولية نادرة ودروس لا تعد ولا تُحصى في الشهامة والامانة والنبل والصدع بالحق والضرب على يد العابثين والمفسدين بأمن هذه البلاد بعد ان تقلد طيلة اربعين عاما سلم العمل العسكري الى ان اصبح مديرا عاما لادارة مكافحة المخدرات ثم رئيسا للجنة الامن بمجلس الشورى في اول تشكيل له عام 1414هـ ثم مديرا للمؤسسة الثقافية الاسلامية بجنيف وممثلا لرابطة العالم الاسلامي لدى الامم المتحدة.اللواء جميل الميمان (رجل دولة) كما وصفه معالي رئيس مجلس الشورى الشيخ الدكتورصالح بن حميد ولكنه جاء في زمن غير زمانه، ولد بالطائف المدينة التي عشقها بعد المدينتين المقدستين في 16 شعبان من 1358هـ وكان شقيا في طفولته ونبيها في البيع والشراء مع الباعة حتى اطلقوا عليه لقب (متعب) لحرصه على مشاجرتهم للحرص على شراء الاحسن بأقل الاسعار. كان يحب والدته رحمها الله كثيرا ويساعدها في الطبخ فأكتسب خبرة ممتازة في هذا المجال وقد يكون لابنه فريد نفس الاهتمامات، حيث يملك مطبخا كبيرا بحي الششة بمكة المكرمة.. ومن شدة اعجابه بخاله طلعت محمود وفا مدير الامن العام قرر دخول مدرسة الشرطة بمكة المكرمة عام 1374م وتخرج منها برتبة (مفوض ثاني) اي ملازم ثاني والصورة النادرة والمرفقة له تنفرد «عكاظ» بنشرها اليوم للمرحوم الذي تدرج في السلك العسكري حتى تم اعفاؤه كمدير للادارة العامة لمكافحة المخدرات عام 1407هـ ولم يتجاوز وقتها التاسعة والاربعين من العمر.
ابوالمساكين
مما اشتهر به ابوفريد في حياته كرمه الدائم وحرصه على عون اخوانه المسلمين وطالما تدخل لحل كثير من القضايا بدفع مبالغ من جيبه الخاص، اما فيما يتعلق بالضعفاء والمساكين فاشتهر عنه وجود نقود دائمة في جيبه للتصدق بها على الضعفاء وهو كما وصفه صديقه الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الخضيري بأنه «ابوالمساكين» فقد كان يناصر العمال ويقف معهم ويتبنى قضاياهم ويذهب لحلها بنفسه.
توقير العلماء
عرف عنه حبه للعلماء وتقربه منهم ويذكر له انه قام من كرسيه في مناسبة رسمية وهو في منصة الحضور مديرا عاما لادارة مكافحة المخدرات ليجلس مكانة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز يرحمه الله.. كما اشتهر بحرصه على رد المعروف لمن قدمه له، ولعل في حفل التكريم الذي اقامه لمعالي الدكتور ابراهيم العواجي وكيل وزارة الداخلية السابق واعترافه امام اعضاء مجلس الشورى بفضل الرجل عليه عندما كان مسؤولا عسكريا بالوزارة ما يعبر عن اخلاقياته وشخصيته.
كيد الكائدين
تعرض اللواء جميل الميمان لمحاولات عديدة لايقاف دوره في مكافحة عصابات المخدرات ونصبت له المكائد وتمت الوشاية به لدى كبار المسؤولين بالدولة. فهناك من اتهمه بالحديث بما لا يليق وقد اثبتت براءته وكرم من قبل الملك فهد يرحمه الله الذي كان قريبا من الجهود التي بذلها منذ دخوله السلك العسكري وكان يرحمه الله يقول في مجلسه عندما يرى الميمان: اعرف الميمان منذ ان كان ملازما في مكة والناس يقولون الميمان.. الميمان..
كما وشى به كثير من الحاقدين عند سمو وزير الداخلية فلقي من سموه التكريم وجزيل المكافآت بعد ان اثبت براءته واخلاصه وتفانيه وصدقه في قول الحق والدفاع عن مبادئه ووضعه مصلحة الوطن العليا فوق كل مصلحة ذاتية وامن الوطن فوق كل اعتبار.
نظيف وواضح
يقول عنه صديقه المقرب معالي الفريق اول متقاعد صالح بن طه خصيفان المستشار بالديوان الملكي: لقد كان رفيق عمري طيلة اربعين عاما الاخ الصديق اللواء جميل الميمان.. انسانا نادرا في حياة يندر فيها المخلصون.. يعتمد عليه في جميع الشؤون.. وفيا وتقيا ونظيفا وصادقا لا يخشى في الله لومة لائم.. ومما يعرف عن اللواء جميل يرحمه الله انه كان عرضة لاغراء الكثير من عصابات المخدرات وقد عف نفسه عن السير في هذا الطريق وكان شوكة في خاصرة كل مهربي المخدرات في المملكة.
عرف عنه تمسكه برأيه في قول الحق وعدم تراجعه عن الامور التي تهم مصلحة الوطن ولم يكن يتنازل بسهولة عن قناعاته وهي احد اسباب خروجه من الدورة الثانية لمجلس الشورى.
رجل الاضداد
يقول عنه محبوه انه جمع كل الاضداد التي لا تجتمع وابرزها انه رجل ملتزم ومحب لاهل الدين وعسكري منضبط وشديد وعنيف احيانا في سبيل احقاق الحق.. مما يذكر عنه من صفحات بيضاء قيامه بدور الامام والخطيب في مسجد الادارة العامة لمكافحة المخدرات في اول ايامه بها حيث لم يكن لديهم امام وخطيب وظل اربعة اشهر يصلي الفجر في الادارة وكان يكتب خطب الجمعة بيده.. وفي المسجد الذي بناه بحي المحمدية بالرياض حرص كثيرا على ادخال غير المسلمين في رمضان صالة الطعام مع المسلمين لترقيق قلوبهم، ودافع عن موقفه هذا حتى في جنيف عندما كان يواجه اعتراضا من الجاليات العربية هناك لهذا الموقف، يصفه ابنه فريد بأنه كثير التسبيح لدرجة أنه كان يزعجهم لرغبتهم في محادثته عندما يكون معهم بل كانوا يقطعون المسافة من مكة الى جدة في ساعة ونصف لحرصه على السير بطمأنينة والتسبيح طيلة الطريق.
شريك الخير
الدكتور ابراهيم المديميغ المستشار بالديوان الملكي وشريك المرحوم اللواء جميل الميمان في مشروع إفطار صائم قال بأن المصلين في مسجده بالرياض قرروا تسمية صالة الطعام التي خصصها لإفطار اكثر من 400 شخص في رمضان باسمه عرفانا بجميله يرحمه الله.
ووصف المرحوم بأنه كان شعلة متقدة بالحي كله وعرفته طيلة سبع عشرة سنة من بدء هذا المشروع المبارك امينا ومنظما وواضحا في أدق التفاصيل المحاسبية وصبورا في تحقيق هدفه.. لقد خسرناه خسارة فادحة ولا املك الكلمات للتعبير عن مشاعري الحقيقية.. ترك يرحمه الله خلاصة تجربته العملية والعلمية في مجموعة كتب حملت عنوان «ذكريات ومذكرات» تمثل زاداً حقيقيا لكل قارئ ومتابع ودارس ولابناء المملكة من مدنيين وعسكريين.
آخر اوراقه
من آخر اوراقه التي كتبها قبل وفاته ان صديقا سأله عن الوضع الراهن في المملكة فقال: الحمدلله في تحسن.. فالوضع في ظل الظروف التي تمر بها المملكة يتطلب مراجعة ملحة ودقيقة وسريعة وايجاد حلول لكل المشكلات ومؤسسات فاعلة ومؤثرة في كل الظروف والاهم من كل ذلك اختيار القيادات ذات الكفاءة والصالحة والمتابعة الجدية والمحاسبة الدقيقة والضرب بيد من حديد على كل عابث.. ثم دعا لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز يحفظه الله بالتوفيق والعون والنصح له بإخلاص وشجاعة.
كان شوكة في خاصرة المروجين وتكريم الدولة له أحبط من تآمروا عليه
جميل الميمان.. أبوالمساكين.. قاهر تجار المخدرات
29 سبتمبر 2006 - 20:13
|
آخر تحديث 29 سبتمبر 2006 - 20:13
جميل الميمان.. أبوالمساكين.. قاهر تجار المخدرات
تابع قناة عكاظ على الواتساب
بدر الغانمي (مكة المكرمة)