في عالم الفكر والفلسفة هناك ضربان من الحكم من ناحية شموله وإطلاقه واتفاق العقول المختلفة عليه؛ هما الحكم الموضوعي والحكم الذاتي أو النسبي. والموضوعي هو ما يصدق في حكمه مهما اختلف الزمان والمكان ومهما تفاوتت العقول، كأغلب الأحكام الصادرة عن العلوم الطبيعية والرياضية والمنطقية. فـ «تمدد المعدن بالحرارة» حكم موضوعي لأن الكل اتفق عليه بسبب ثبوته بالتجربة، كما أنه يصدق في أي مكان وأي زمان. أما الحكم الذاتي فهو نسبي. والنسبية هنا قد تكون متطرفة فيصبح الحكم ذوقيا لا يصدق إلا بالنسبة لقائله كأن يقول امرؤ: «إن عصير البرتقال ألذ من عصير التفاح»، فهو أولا حكم لأنه ينطوي على علاقة مقارنة وقد يكون الحكم الذاتي وصفيا فقط مثل «عصير البرتقال لذيذ» فهو حكم لأنه «حملي» أي يتكون من موضوع وهو
«العصير» ومحمول وهو «لذيذ» ويربط بينهما برابط إيجابي، وقد يكون سلبيا إذا اشتمل الحكم على كلمة دالة على السلب أو النفي «عصير البرتقال ليس لذيذا». النوع الثاني من الحكم النسبي هو المعتدل. فيكون الحكم ذاتيا ولكن يتفق عليه أكثر من واحد.
في النقاش حول الأخلاق يبرز لدينا مثل الجدل السابق. هل الحكم الأخلاقي موضوعي أم ذاتي؟ فتتفاوت الأجوبة بتفاوت الرؤى والمذاهب. فمنهم من يصر على ذاتيته لأنه مختلف عن الحكم العلمي الموضوعي الذي تبرهن التجربة على صحته، بينما الحكم الأخلاقي متغير بتغير العقول والثقافات والأزمنة، لذا فهو نسبي، وكل ما هو نسبي فهو ذاتي، أي صادر عن ذات أو ذوات بشرية. ومنهم من يقول بالعكس، فالحكم الأخلاقي موضوعي لأنه يتأسس على مبادئ العقل، وهي مبادئ ثابتة لا تتغير ولا يختلف عليها اثنان؛ فالعقل يأمر كل إنسان بالصدق وببر الوالدين وهكذا.. هناك مآخذ كثيرة يمكن أن تقال على تلك المحاججتين ولكن مساحة المقال لا تسمح بسردها.
بالنسبة لي فإني أميل إلى أن الحكم الأخلاقي هو حكم موضوعي ولكن ليس كموضوعية الأحكام الطبيعية، ونسبي ولكن ليس كنسبية الأحكام الذوقية. إنه تنويع على الحكم النسبي المعتدل الذي ذكرته آنفا. هناك خلط كبير بين الحكم العلمي والحكم الأخلاقي. فالأول وصفي؛ إذ إنه يكتفي بوصف الظاهرة المدروسة، كما أنه يستند إلى الواقع المادي المحض. أما الحكم الأخلاقي فهو ليس وصفيا بل هو معياري يرمي إلى إنفاذ السلوك. وهذا التفريق معروف لكل الفلاسفة ولكن بعضهم يتناساه حينما يقارن بين موضوعية الحكم العلمي وموضوعية الحكم الأخلاقي. إن الأخير موضوعي ولكن ليس استنادا إلى الواقع المادي بل إلى واقع آخر هو الواقع الثقافي. واستناده إلى الواقع الثقافي لا ينتقص من موضوعيته، بل يعطيها معنى مختلفا عن موضوعية العلم الطبيعي.. فهل يجوز لنا مثلا أن نسند الأخلاق على الواقع المادي؟ لا أعتقد ذلك لأن الحكم الأخلاقي يوضع من أجل أن «يمارس» فقط لا أن يصف أو ينتج معرفة أو علما بالشيء. لذلك فالحقل الوحيد الذي يمكن للحكم الأخلاقي أن يصدر فيه ليس الواقع المادي المحايد ولا عالم العقل المحض بل هو الواقع الثقافي لجماعة من البشر.. لذا فإن الأخلاق نسبية من حيث اختلافها من قوم إلى قوم أو من زمن إلى زمن.
ولكنها موضوعية من حيث اتفاقها بين الأفراد. والفرق الجوهري بين الحكم العلمي والحكم الأخلاقي هو حضور السلطة أو الغلبة في النمط الثاني، لذا نجد أن بعض أفراد ثقافة ما لا يقرون ببعض الأحكام الأخلاقية، مما يعني اشتمالها على صراع مبطن، وهذا ناجم عن طبيعتها الموضوعية والنسبية في آن.


للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 118 مسافة ثم الرسالة