يقضي الكثيرون من المديرين والتنفيذيين في القطاع العام في العموم وبقدر أقل في ذلكم الخاص على تعدد مجالاته أياً كانت أعمال تجارة وما شابه غايته الربح أو معنوياً يستهدف خدمة المجتمع منشآت، جماعات أو أفراد- غايتهم كانت التوعية أو التثقيف أو الخدمة في مجالات أخرى، استهدفوا بعض الربح وإن بدرجة محدودة أو أنفقوا من جيوبهم قناعة بسمو ما يستهدفون، أقول إن الاجتماعات تظل مطولة، يُدمنها البعض ويملها آخرون، اجتماعات أخذ وردّ يعمل المتحدثون فيها على الشكوى من تكرار وجود المشكلة مضخماً إياها في إجمال دون غوص في تحليل أو تحديد لمسبباتها أو مسببيها ودون طرح لحلول ومعالجات ناجزة وفاعلة. البعض من الحضور قد تكون لديه وجهة نظر مفيدة فيما يطرح ولكن بسبب استضافة آخرين ومضي الوقت يكون قد ملّ الجلوس فيصمت.
هذه الاجتماعات تُعقد بجدول أعمال يعده على عجل تابع لمن يترأس الجلسات «سكرتير» في الغالب أو «مقرر محترف» ذو ملكة في التعبير بالبلاغة والبيان والبديع والمحسنات اللفظية وذو قدرة على انتقاء العبارة يحسن تنظيم المحضر إن كان الاجتماع قد أملته ضرورات تلبية أمر أو توجيه من جهة عليا تبريراً لحادثة ذات صلة بأداء بعض من حضور الاجتماع أو منسوبيهم تشوبه أوجه قصور.
غاية المتحدثين باستفاضة في الغالب تزكية الذات وتبادل التهم مع بعضهم تصيد وإبراز ما يحسبونه أخطاء من الآخرين عوضاً عن التركيز المباشر على عملية المساهمة والمساعدة في تفعيل انجاز المهام اليومية وتحقيق معدلات عليا في الإنتاجية أو تقديم الخدمة المطلوبة المرتبطة بقطاعه والتخطيط العلمي والعملي لإنجاز المهام مستقبلاً بكل كفاءة وفاعلية من خلال المرونة الإدارية في استغلال جميع المتاح من الموارد.
الجدير بالملاحظة أن التفرد بالرأي من البعض وكحتمية في اتخاذ القرار دون التنسيق مع الدوائر الأخرى المرتبطة بهم بحكم العمل المتداخل يخلق نوعاً من الاستياء لدى الآخرين يتبعه تساهل في الحرص على أهمية التكامل معه مراعاة لتحقيق المطلوب خدمة كانت أو انجازاً لأهداف أخرى على وسعها أو تلبية لمهام يمليها الواجب الوظيفي ينعكس سلباً على أداء تابعيهم من المنسوبين يؤدي لإحباط يؤثر حتماً على أداء الإدارات بشكل عام ولعل هذا هو الذي يُقعد الإدارات في كثير من القطاعات العامة عن الانطلاق والتقدم والتطور لمجابهة التحديات اليومية والمستقبلية حيث يرتبط كل تقدم بشري بالانتاجية كمية كانت أو نوعية بصورة أو أخرى والإنتاجية هنا تنطبق على جميع مجالات الحياة المادية والمعنوية فردية كانت أو جماعية تجد الفاعل فيها فخوراً بما أنتج أياً كان المنتج مزهواً مستقر النفس راضياً بما حقق كونه ضمن الأمان الوظيفي كنتيجة حتماً.
تتحكم في طبيعة الإنتاجية ومستواها عوامل عديدة أهمها الكفاية والفعالية Efficiency & Effevtiveness ويعتقد بعض المديرين أو التنفيذيين أن لا فرق بين كلمتي الكفاية والفعالية، غير أن الباحثين يرون أن الكفاية هي عمل الفعل بطريقة صحيحة وهي ترتبط بـ«مفهوم الجودة» الذي يعرّف بأنه (فعل العمل أيا كان بطريقة صحيحة من أول مرة كل مرة)، أما الفعالية فهي فعل العمل الصحيح في الوقت المحدد، أي أنها أن تحدّد أولاً ما إذا كان ينبغي ويتوجب القيام بهذا العمل أو هذه الأعمال أم لا أصلاً ثم تحدّد أولويات انجازها ضمن الوقت المتاح وبكل مرونة للحصول على أعلى إنتاجية ممكنة وعليه فإن هؤلاء الباحثين يقدرون الفعالية أكثر من تقديرهم للكفاية وذلك انطلاقاً من أن أغلب المديرين والتنفيذيين الذين يصبّون جهودهم لتحقيق الجودة أساساً إنما يركزون على انجاز النشاطات والأعمال بصورة مثلى مهما كان الوقت اللازم لذلك في حين أن الفعالية تُعنى بالنتائج، أي بمدى ما يتم إنتاجه من أعمال على تعددها وفق الأهمية وحسب الأولوية دون إغفال لأهمية انجازها بالجودة المطلوبة.
إن تحقيق مستوى عالٍ من الإنتاجية أياً كان المجال يتطلب توفّر فعالية عالية بالضرورة، ويتوقّف ذلك أساساً على نوعية الإدارة الشاملة بجميع أوجهها: إدارة أعمال، إدارة للوقت، إدارة جودة وتحسين مستمر، إدارة ضغوط وأزمات، أو إدارة غايتها التغيير.. ويقف على رأس هذه (الإدارات)، ما يمكن أن يسمّى بـ(إدارة العقل) التي تحكم جميع النشاطات الإنسانية، والتي هي بحق (إدارة جميع الإدارات).
إن الإدارة السليمة للعقل تتطلب الاستثمار أولاً في الطاقات الذهنية الهائلة الكامنة لدى الجميع لتطويرها وتفعيلها وصولاً لتعظيمها ثم لاستخدامها ولافت أن الأبحاث تثبت أن هذه الطاقات بعامة لا يستثمر منها أكثر من 20% منها فقط.. ولعلّ أولى خطوات تحقيق هذه الغاية هي تحديد أهداف لكل عمل أو نشاط بدقة ووضوح ثم التخطيط الذي ينسجم طرداً مع الإمكانيات المختلفة المتاحة راهناً ومستقبلاً والانطلاق لتنفيذ هذه الأعمال والنشاطات الإنتاجية بعقلانية وهمّة لا تعرف الكلل بعد تهيئة المناخ والبيئة الملائمة لتحقيق النجاح على أن تتبع هذه الخطوات عملية تقويم لابدّ منها في كلّ محطّة للتعرف على ما تحقق من نتائج وثم مقارنتها مع الأهداف المرسومة والتحليل الدقيق وصولاً لتحديد نقاط القوة لتعظيمها ونقاط الضعف وأوجه القصور لمعالجتها بتبصر تحقيقاً للسعي المستمر نحو النجاح والتطوير الدائم.
ومادمنا بصدد الحديث عن أهمية الفعالية الإدارية في تعزيز الإنتاجية مهما كان نوعها ومادامت الفعالية الإدارية مرتبطة بإنجاز ما هو ضروري وفي تحديد الأولويات ضمن قدر الزمن المتاح فعلينا أن ندرك تماماً وبوعي يبلغ حد اليقين أن إدارة الوقت هي العنصر الأكثر أهمية في منظومة إدارة العقل وبالتالي في زيادة الإنتاجية وتعزيزها.
عجبني ما اطلعت عليه من قول «جون هوو»: (يا لها من حماقة أن تخشى ضياع حياتك، دون أن تشعر بأهمية إدراك جسامة تبديدك دقائقها وساعاتها!)، إن الوصفات المتعلقة بتجنب تبديد الوقت وهدره تؤكد على ضرورة تقليل الزيارات غير المتوقعة للآخر ومنك للآخر وعلى ضرورة تجنب المحادثات التي تشتت الانتباه وتقليل مقاطعة الآخر إن تحدث ما أمكن والسعي لإضفاء صفة الرسمية على أساليب العمل مع مراعاة تنظيم الاجتماعات وتحديد مواعيدها والحرص على حصر ديمومتها في أقل ما يمكن حيث إن ذلك هو أكثر عوامل تبديد الوقت أهمية دون إغفال أهمية وجود جدول أعمال مدروس للاجتماعات يتبعها تنظيم مسودة محضر قبل رفع الاجتماع يؤشر عليه من الحضور تمهيداً لطباعته وصولاً حتما لتوقيع الحضور عليه لاحقاً.
يتضح لنا من ذلك كله، أن للفعالية الأثر الأكبر في زيادة الإنتاجية وتعزيزها وأنها أي الفعالية ترتبط أساساً بثقافة الأفراد وأنماط تفكيرهم من جهة وبالدور الذي تلعبه المؤسسات والهيئات المختلفة في ترسيخ مفاهيم الإنتاج وتعزيزه.. ولعل كل ما سبق إن تحقق من شأنه أن ينعكس على التفاني في خدمة الفكر الوظيفي وكذلك من شأنه أن يحقق قدراً أكبر من المردود عندما يظهر بينا واضحا على الأداء الفعال. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن ضرورات الحياة واتساع حاجات البشر وارتفاع مستوى الطموحات بالقياس إلى التطور الهائل الذي صنعوه في مختلف المجالات بات من الدواعي الكبرى للالتزام بالمؤسساتية في انجاز أي مهمة أو الوصول إلى أي من غاياتنا لأن الأعمال الفردية أو البطولات التي كان ينجزها أفراد ذوو همة عالية وكذلك أوجه القصور والعجز التي يسببها أفراد باتت اليوم من عناصر الفشل في كل عمل وفعل بشري وعليه فإن النجاح وتحقيق الإنجازات الكبرى على أي صعيد ومعترك إن لم تنتظمه المؤسساتية سوف يتبدل فشلاً حتماً ذلك أن من أهم أسباب تخلف الكثير من المجتمعات هو اعتمادها الأساليب الفردية في إنجاز المهام.