تعارف الناس على أن الكبار يكونون عادة أكثر خبرة وأكثر نضجاً وأن ذلك يمكنهم من تفادي الوقوع في الأخطاء أكثر من الشباب حديثي النشأة، ويروى عن برنارد شو الفيلسوف الإنجليزي قوله: من المؤسف أننا متى بلغنا سن الحكمة وملكنا السيطرة على تصرفاتنا، نكون قد اقتربنا من نهاية الطريق فلا نستفيد كثيراً مما تعلمناه من أخطائنا.
وللوهلة الأولى، قد يبدو هذا القول يحمل شيئاً من الصحة، فالإنسان كلما تقدمت به السن زاد مخزونه من التجارب والخبرات وتعلم أكثر وظهر أثر ذلك على تصرفاته التي تأخذ في الميل إلى التريث والتفكير والتردد والتنبه لجوانب ما كانت واضحة له من قبل في سن الشباب المليء بالحماس والاندفاع. ومع ذلك فإن من تقدمت به السن وعرك الحياة وعركته الحياة يعرف أن ذلك القول غير صحيح على إطلاقه، فمن تقدمت به السن يظل يخالفه الصواب مرات ومرات، ويقع في حماقات عدة، ومرور السنين وتراكم الخبرات لا يحميه كثيراً من التورط في بعض الأخطاء والتعرض لشيء من العثرات.
هكذا شاء لنا الخالق، أن لا نسلم مطلقاً من العيوب وارتكاب الزلات حتى وإن عشنا أضعاف أضعاف أعمارنا أو اكتسبنا خبرات مئات السنين، فنحن لا نملك تفادي الأخطاء ونظل معرضين للتعثر ومجانبة الصواب ما بين حين وحين. لكن بعض الناس يظلون يرددون بحسرة بالغة حلمهم في العودة إلى الوراء لمسح العثرات من حياتهم وليس نادراً أن نسمع من يقول «لو رجعت بي الأيام لما فعلت كذا وكذا» أو «ليت الأيام تعود لأفعل كذا وكذا»، وهم يعبرون بذلك عن اقتناعهم أن العودة إلى الماضي تنقذهم من معاناة عواقب تلك الغلطات والحماقات التي ارتكبوها في مقتبل العمر والتي ربما امتد أثرها باقياً على مدى الحياة. كأن يكتشف المرء أنه أساء اختيار تخصص لا يلائمه، أو زوج لم يحسن اختياره، أو صديق لم يكن يستحق صداقته، أو صفقة تبين له خسارتها، أو غير ذلك من الأحداث في حياة الناس التي يتبين لهم عدم صوابها بعد فوات الأوان. وقد يظل يطلق الحسرات على ما مضى ويعض أصابع الندم توجداً إلى العودة إلى الماضي ليتجنب الوقوع فيما بدر منه، لكنه لو عادت به الحياة إلى ماضي أيامه محملاً بخبرات السنين وتجارب الحياة الكثيرة التي مرت به هو لا يملك تفادي الزلل، كل ما هنالك أنه قد يستبدل أخطاء بأخطاء وتجربة فاشلة بأخرى مثلها، فالإنسان مهما امتد به العمر وظن أنه فهم الحياة لا يستطيع أن يتخلص من نقطة ضعفه الكامنة في ارتكابه الأخطاء ووقوعه في العثرات.
إن هذه الحياة ملأى بالمواقف العسيرة والمتناقضة والمحيرة، والمرء تجاهها ليس محصناً من التعثر والزلل، فمن فطرة الإنسان أن تزل به قدمه مهما اجتهد ومهما جرب ومهما ظن أنه خبر الحياة. هكذا أراد لنا الله سبحانه أن نكون، فمن الخير أن لا نندم على خطأ يخيل إلينا أنه كان بإمكاننا تفاديه، فهو إن لم يحدث بعينه حدث غيره.
فاكس 4555382
ص.ب 86621 الرياض 11622
أخبار ذات صلة