« لم يكن دوي الرعد قبل أن تخترع البنادق مرعبا أما الآن فأي أحمق يستطيع الاطمئنان إلى صوت الطبل في زفة عرس أو يثق في مسدس من شمع بيد طفل».
***
بعد مرور شهر كامل من الجلوس المزمن أمام الشاشات من أجل ملاحقة مشاهد الحرب في لبنان للقبض على لحظة أقل رعبا أو أقل موتا تحولت عيناي إلى آلة تصوير تشرب الصور بسرعة مجنونة ومعها تحول دماغي إلى أستوديو مليء بنفايات الصور المرعبة والمحزنة والكريهة.
شهر واحــد مر كــمـا لو أنه بضع سنوات ثقـيـلة شـاخت فيه الكـثـيـر من أحـلامي الصغيرة وانطـفـأت ذبـالـة أشـواقـي ولم تعد تنطلي علي أية فـكـرة مـهمـا كـانت صغـيـرة وتـافـهـة.
وبدأت تظهر علي أعراض مرضية غامضة حيث أحس بتخثر الزمن فالثانية لا تدق إلا مرة واحدة في الساعة انكسرت في داخلي مساحات كبيرة فضحتني هشاشتي أمام أطفالي حين تذرف عيناي سهوا فكيف اعتذر واقنعهم بأنني كبرت كثيرا ولم يعد يروقني اللعب معهم وكيف أقنعهم بأن قطعة الحلوى لا تختلف في مذاقها عن طعام قذر وأن كل شيء له طعم التراب؟ وكيف أعتذر لأمي التي يفترس المرض اللئيم أحشاءها عن نسيان موعد الطبيب أو جرعة الدواء وكل محاولة نوم هي محاولة فاشلة بامتياز لم تفلح إلا في حشد مزيد من كوابيس إضافية كما لو الصور التي في دماغي خضعت إلى مونتاج وعادت أشد رعبا.
أتسلل في عزلة الليل إلى المرآة سيرا على أطراف أصابعي لأتأكد من هوية الواقف قبالتي أهو أنا أم شخص يكمن خلفي فلا ارى احدا وتحين مني التفاتة عاجلة للقبض عليه فيتبادر إلى ذهني أنه استدار كالأفعى ورائي. ألتصق بالحائط حتى لا يبقى ورائي وراء وفي الغد أكتشف أنني نمت في الممر المؤدي إلى غرفة مهملة. هل تتعفن الأحلام بهذا الشكل الفادح ويصاب ضمير العالم بالعطب إلى هذا الحد. أتفقد بعضي في ما تبقى لي من صوت وأتدرب على العواء لكي أصل شيئا فشيئا إلى حنجرتي فتنخزني من خاصرتي شوكة حسد: ما الذي يخسره العالم لو أني مسخت ذئبا أو حجرا نبيلا. يهاتفني صديق على وشك الجنون لعل ليل امرىء القيس يمضي وبصوت متقطع يرتعش بالحمى:
- كنت فقط أريد أن أتأكد أنني ما زلت على قيد الحياة يا صديقي؟
ويغلق الخط على نحو مفاجئ لتنفتح سماء ملبدة بالحديد
الظلام عليكم أيها القتلة فقد أحرقتم أوقاتنا وهدمتم منازل أشواقنا وقصائدنا بيتا بيتا
أتجرع دواء ما قبل النوم لأضع الأشياء شرق أو غرب نسياني
وأحلم أن تثب الأراجيح المشلولة او يسافر هذا الدم العاهل في جذور الأرض ماء جنوبيا نقيا لينمو على هيئة مئذنة في الحجاز وفي مصر على هيئة سنبلة ويذرفه جبل في اليمن على هيئة فنجان قهوة وتغنيه حنجرة في أرض السواد ليسيل موالا عراقيا: أين قانا يا أبانا؟
***
من قصيدة « عرس قانا الجليل لشوقي بزيع»
« أين يا قانا نسجي لحمنا؟
في أي قبر والقبور جميعها امتلأت بقتلانا؟
ولكن الهواء يحيد عن صرخاتهم
ويغوص في الآبار
حيث تفض ألسنة اللهب
رفات من ماتوا لتبحث عن فم يخضر
أو قبل يسيل لعابها فوق الصديد
فلا تصادف غير أمعاء تدلت
من عناقيد الغضب
ويد تحدق وحدها
في ما تبقى من ضفيرة طفلة
أحنت على سيارة الإسعاف نصف جبينها
ومضت تفتش عن سبب
لذبولها الدامي
وعن ماء تبقى في محاجرها التي انطفأت
لتهديه إلى وجه العرب»

abdsmile@hotmail.com