لعلها أشهر قصيدة شعر شعبي في السنوات العشر الأخيرة على الأقل، وأنت حين تستخدم إمكانيات السيد «googel»، تكتشف بسهولة أثر النص وقدرته على التفاعل والأخذ والرد، فالروح المسرحية الساخرة للشاعر عبد الرحمن بن مساعد، بدت في الذروة من تألقها، والحس الاجتماعي المعجون بالهم السياسي القادر على الانفلات من مقص الرقيب، ميزة لمعظم نصوص الشاعر الأمير عبد الرحمن بن مساعد، لكنه هنا يكتمل على نحو من الدهاء، وبقدر من الحرفنة إلى الحد الذي يمكن معه اعتبار قصيدته «أحمد محمد سلامة»، النموذج الأمثل لدراسة نموذجه الشعري في جانبه السياسي، والاجتماعي، والإنساني، وفي شكل قصيدته الحرة المنفلتة من كل ما يمكنه تقييدها، حيث استسلامها التام للروح المسرحية المشتعلة بهاء، وأضواء، وحركة، ورغبة في التفاعل، وقدرة على هذا التفاعل، عارفة بأصوله، متمرسة فيه، فأنت وبسهولة يمكنك استشفاف كتابة النص لما هو غير مكتوب فيه أصلا، بما في ذلك لحظات ترقب الجمهور المستمع لتطورات الحدث، وضحك البكاء المتساقط في التصفيق المتعالي المدروس مكانا، ومكانة آخر النص، «أحمد محمد سلامة» قصيدة تحولت بمهارة الذهن المتوقد لشاعرها إلى مصطلح، حتى صار عنوانها الحامل لاسم بطل النص الشعري المسرحي قفشة كافية للإيحاء بفساد البطانة، وقدرة هذا الفساد على تشويش وإرباك أكثر المناظر صفاء، ونقاء، وسلامة هدف، وصار في المجالس من إذا وصلته ردة فعل، مخيبة لآماله، ممن ظن به خيرا من الناس، لكنه لم يصله، أو يتواصل معه مباشرة، يقول: (الله العالم إنها سالفة أحمد محمد سلامة!)، وحكاية المواطن «أحمد محمد سلامة» الحادثة في زمن من الأزمان، غير محدد، ومع مسميات وظيفية، وعناوين متلاطمة الفانتازيا، فكل اسم، وكل مسمى، وكل عنوان سكني مجلوب من فترة تاريخية مختلفة، ليتفرق دم الحكاية بين قبائل الأيام، تقول إنه رجل معدم، ويعول أسرة لا يقدر على تكاليف معيشتها، ولكن السلطان لم يعرف بأمره، إلا من خلال خبر في جريدة، فما كان من السلطان إلا أن أمر له بمليونين ريال، ولأنه أرادها لوجه الله، فقد أمر بدفعها له سرا، دون ضجيج إعلامي، وأهواء دنيوية، لكن هذه النية الطيبة، والمشبعة بالوقار، والحس الديني، والرفعة الإنسانية، الجديرة بالتقدير، هذه النية ذاتها هي ما أفسد الأمر، فقد سمحت لكثير ممن مرت عليهم «معاملة» أو «هدية» السلطان بالتصرف فيها حتى تقلص مبلغ المليونين إلى مليون، ثم إلى أقل من ذلك، فأقل حتى انتهى بها الأمر إلى مجرد دعوة صادقة لأن يمن الله عز وجل على «أحمد محمد سلامة» وعائلته بالعافية، والخير، والرخاء، والأمن، والسلامة، للوهلة الأولى، وفي أول قراءة لهذا النص يتبادر إلى ذهنك، أن الشاعر أراد انتقاد البطانة، وكشف فسادها، لكنك حين تتأمل أكثر تكتشف اللؤلؤة المخبوءة المتمثلة في كشف النص، لعدم قدرة النوايا الطيبة مجردة من أدوات تنفيذ حقيقية، وحاسمة على عمل شيء حقيقي، وأن السرية التي كانت غايتها الخير كل الخير هي ما أوصل الأمر إلى ما وصل إليه، والآن: ماذا لو أن شاعرا قرر كتابة (ردية) على هذه القصيدة، أو مجاراتها بنص شعري مماثل ومختلف في آن؟ شخصيا لا أجد فكرة لمثل هذا النص المقترح، والمتخيل أفضل من الركض العكسي، بمعنى: كتابة نص يبدأ من معرفة «أحمد محمد سلامة» معرفة واثقة من وصول شكواه مهما كانت بسيطة أو معقدة، أو بين بين إلى السلطان سوف لن يبحث عن منبر إعلامي، كما فعل في النص السابق، حيث الجريدة هي الوسيلة الناجعة للشكوى، لكنه سوف يكتفي بإبلاغ أقرب موظف، مسؤول، مهما كان صغيرا، وسوف يطلب منه أن يظل ذلك سرا، ومن هنا سوف يبدأ اختصار الأمر، وتقليص الشكوى من الموظف الصغير إلى الموظف الأكبر، ثم المسؤول الأكبر، ثم إلى من هو أكبر، وفي النهاية سوف تصل الشكوى مسامع السلطان العادل، على النحو التالي: سيدي، لقد شبعنا من النعم، والخيرات، حتى خشينا على أنفسنا من البطر، فرفقا بنا منا.
أخيرا: رابط لقراءة قصيدة «أحمد محمد سلامة»، للشاعر عبد الرحمن بن مساعد: http://www.alanan.net/shu3ra/bnmusaed/bnmusaed36.htm