.. طالما ان في لبنان سبع عشرة طائفة دينية، فلا بدّ من ان يكون اليهود إحداها وهو ما يستدل عليه من الوقائع التوثيقية في الدوائر الرسمية اللبنانية ومن المعالم الجغرافية سواء في العاصمة بيروت او في مدينة صيدا الجنوبية. .. هم طائفة تخشى الظهور ولعل هذه الخشية مبررة، فلا وجود لدولة تضررت وتأذت من إسرائيل كما حصل مع لبنان. ومشكلة يهود لبنان ان البعض يحسبهم على دولة إسرائيل.
.. الميليشيات اللبنانية هجرت اليهود والجيش الإسرائيلي قصف معبدهم في بيروت والسوليدير وضعت اليد على ممتلكاتهم.إنها قصة طائفة تحولت من خمسة آلاف شخص إلى تسعة أشخاص تبحث عنهم فلا تجدهم وإن وجدت احداً منهم فهو قد غيّر اسمه أو يرفض التحدث معك وإن تحدث فكلامه مختصر ومختصر جداً.
.. تاريخياً وجود اليهود في لبنان يستدل عليه من أسماء بعض الشوارع التي عرفت بهم وبخاصة في العاصمة بيروت تحت اسم وادي اليهود أو في عاصمة الجنوب اللبناني صيدا تحت اسم «حارة اليهود» وهذا التواجد موثق سياسياً حتى هذه اللحظة عبر تخصيص صناديق اقتراع لليهود في الانتخابات التي حصلت بعد اتفاق الطائف برلمانية كانت أو بلدية. وسجلات وزارة الداخلية في لبنان تطلق على اليهود اسم الطائفة الإسرائيلية.
وادي ابو جميل
.. في منطقة جميلة من بيروت من حيث موقعها الجغرافي الملاصق لشاطئ عين المريسة موقعها الاقتصادي حيث تلاصق غرباً منطقة الفنادق وعلى رأسها «فينيسيا» و «هوليداي إن» وشرقاً «شارع المصارف» أو «وول ستريت» لبنان يقع «وادي اليهود» الذي وبفعل الحرب الاهلية تحول اسمه إلى «وادي أبو جميل» فالسكان اليهود الذين وجدوا أنفسهم على خط التماس ما بين شرقية وغربية رحلوا قسراً إلى مناطق أخرى ولعل إلى بلدان أخرى، فبات الكنيس (معبد اليهود) خاوياً من رواده فيما مدرسة اليهود تحولت إلى مستوصف لإحدى التنظيمات المحلية.
.. يوسف مزراحي زعيم الطائفة اليهودية في لبنان، هو زعيم لأشخاص باتوا لا يتجاوزون عدد أصابع اليدين، فمن خمسة آلاف نسمة كما تشير لوائح الشطب الانتخابية الرسمية في لبنان إلى تسعة أشخاص كما يؤكد مزراحي نفسه أصغرهم يبلغ من العمر ستين سنة« نحن طائفة مهددة بالزوال» هذا ما يقوله مزراحي الذي رفض أن تلتقط له صورة مبرراً ذلك بالقول:« أخاف أن أصبح بعد نشر صورتي هدفاً لبعض الجهلة الذين سينتقمون من شارون عبري..».
شكوى مزراحي تتركز على جهل الناس بحقيقة اليهود وهو ما يؤدي إلى الخلط ما بين اليهود كمواطنين عرب في دولهم وما بين الإسرائيليين الصهاينة المغتصبين لفلسطين، فيقول : لا علاقة لنا كيهود لبنانيين عرب بالدولة الإسرائيلية، نحن قاتلنا ضد احتلال فلسطين كما ان لعدد من أبناء الطائفة دوراً فاعلاً في هذا المجال ولكن للأسف الجهل يعمي الناس وأعتقد ان المستفيد الأكبر من هذا الجهل هي إسرائيل..» .
ويستكمل مزراحي حديثه بلوعة ظاهرة على وجهه فيقول:«بعض المسلحين الجهلة هجروا العديد من أبنائنا بسبب مضايقاتهم وعندما دخل الجيش الإسرائيلي إلى بيروت عام 1982 قصف معبدنا الكبير في بيروت فتهجيرنا وإفراغ لبنان من اليهود هو هدف مشترك ما بين الجهلة وما بين إسرائيل، فتعايش اليهود مع باقي الطوائف في المجتمعات العربية يعني سقوط كبير لفكرة قيام إسرائيل كدولة يهودية..».
.. أوضاع اليهود في لبنان تمثل حالة وداع في لحظاتها الأخيرة. فالمتواجدون القلة وفاتهم تعني اندثار اليهود في لبنان فيما الاملاك اليهودية بمجملها تحولت إلى أملاك تابعة لشركة سوليدير ومتابعتها مع الشركة تحصل عبر محامين أجانب لهم وكلاء في بيروت فيما اللافت أن اليهود التسعة المتواجدين في لبنان عمدوا إما إلى إخفاء ديانتهم أو إلى تغيير اسمائهم كما فعلت ليزا خضر التي باتت معروفة باسم ليزا حداد.
ليزا حارسة الأطلال
تعرف ليزا اللبنانية اليهودية نفسها فتقول « ولدت في هذا البلد، وسكنت في هذا المبنى منذ ثلاثين سنة وكانت بناية «البوزانسون» لجدي ولم يبق لي حتى الآن سوى محل واحد لم أقبض بعد مستحقاتي من شركة سوليدير. وأعيش هنا ولا أعرف شيئاً عن اليهود في الخارج . اخوتي سافروا إلى فرنسا حيث تزوجوا وأقاموا هناك، أما أنا فبقيت هنا وحدي مع أهلي أخدمهم حتى توفاهم الله، فتركوا لي وحدي المحل الذي كان يحتله أحد المهجرين».
وتضيف:«أنا هنا وحدي لأن أهلي عودونا على أن نكون متروكين وحدنا، لكن هذا لا يعني أننا لا نزور الجيران، كنا محصورين في هذا المبنى لا نعرف أحداً خارجه، أما داخل المبنى فنعرف الكل ونزورهم من مسلمين ومسيحيين من كل الطوائف.
نحن هنا مستأجرون قدامى، فقد باع أخوالي البناية القديمة وكل منهم أخذ نصيبه، وامي أيضاً حصلت على حصتها التي مكنتنا من العيش بكرامة طوال فترة الحرب وكنا نساعد الجميع ممن يحتاج.
أما أنا فكان حظي أن بقيت وحدي بحالة مادية مزرية انتظر بيع هذا البيت والمحل، كان لدينا أملاك ضخمة. وعائلتي لم يذهب منهم أحد إلى إسرائيل بل فقط لفرنسا وإيطاليا».
وحول تعامل الآخرين معها قالت:« لا أحد يتعرض لنا هنا في لبنان ولا مشاكل أبداً مع الدولة بل على العكس نحن ننتخب وقد ذهبت في المرة الأخيرة واقترعت حتى إن هناك من عرض عليّ المال مقابل أن أصوّت له لكني رفضت وأهلي كانوا قبلاً ينتخبون بيار الجميل وفؤاد بطرس ومحمد يوسف بيضون.
ليزا تحاول إخفاء هويتها اليهودية فتقول على هويتي الجديدة لم يذكر اسم الطائفة أما على الهوية القديمة فكان مدوّنا عليها أني يهودية لكن أثناء الحرب ذهبت إلى المختار وطلبت منه إزالتها عن هويتي تفادياً لأن أقع في فخ أحد الحواجز وقام بذلك مقابل مبلغ من المال. وكان المختار صديق والدي. محيطي كله يعرف اني يهودية وليس لي أصدقاء يهود بل كلهم مسلمون ومسيحيون وحتى دروز. أهلي لم يبقَ أحد منهم في بيروت بعضهم سافر أثناء الحرب والبعض الآخر بعد الحرب بفترة وجيزة.
قبل الحرب كان احد أقاربي يملك مزرعة فكنا لا نأكل الخضار إلا من زرعنا لا نشتري من الخارج شيئاً.
وقالت ليزا لا أعرف إذا كان هناك من ينسق شؤون الطائفة اليهودية منذ أن دمر الكنيس فلا نمارس شعائرنا الدينية في أي مكان. فالكنيس خاصتنا محطم وقد نبتت الأشجار على مدخله ومنعنا من دخوله. لكن مرة جازفت فلقيت القطط والكلاب والحشرات تسكنه.
الباقي من اليهود هنا في لبنان هم الأغنياء فقط، وهم يسكنون الجبال والمناطق البعيدة عن العاصمة. قبلاً كانت بنايتها تضم كل الأديان ولا مشكلة بيني وبين أحد فيهم».
لن اذهب لإسرائيل
ليزا لا تفكر بالذهاب لإسرائيل فتقول:» لاأفكر بالذهاب إلى إسرائيل فليس لي فيها شيء وهناك بلاد حرب. أما بالنسبة لممارسة ديني فليس لدينا سوى الصيام ولا أحد يمنعني منه وأن يسير الإنسان على الطريق المستقيم لا يضر أحداً ولا يسرق ولا يسير في طريق الشر وكل هذا أستطيع ممارسته في لبنان.نحن اليهود اللبنانيون لسنا متعصبين ولا نعرف سوى لبنان بلداً لنا.
واضافت درست هنا في مدارس يهودية حتى الصف الأول الثانوي حيث أنهيت الصفوف في المدارس اليهودية وكان علي أن أذهب إلى مدارس أخرى لكن لم أفعل.
أما في مدارسنا فلم يكن معنا لا مسلمون ولا مسيحيون سوى عائلة واحدة من آل حموي صاحب محل المكسرات. ذهب إلى إدارة المدرسة وقال لهم إن بناته محجبات لكن محله قريب فلا يفضل أن يسجل أولاده في هذه المدرسة فوافقوا.
وكل رفاقي أيام الدراسة لم أعد أراهم، بعضهم سافر والآخر يعيش بعيداً عن العاصمة.
الآن الأسر اليهودية الباقية هي طراب وسرور وليفي ومزراحي.
أنا لا أتعاطى مع أحد خارج شارعنا ولا أعرف حتى اليهود في الخارج» .
قصة ليزا تختصر قصة اليهود في بيروت، إنهم طائفة وقعوا بين سندان جهل الناس ومطرقة النوايا الصهيونية التي ترجمت بقصف معبدهم.
هم طائفة تعيش لحظاتها الأخيرة في لبنان ولعل في العالم العربي برمته. فليزا التي تعتبر نموذجاً صادقاً عن وضع اليهود في بيروت ربما تماثل قصص كل اليهود في لبنان من واديهم البيروتي حتى حارتهم الصيداوية.