بعد أخذ وجذب وتكهنات عديدة حول موقف إدارة أوباما من ملف التعذيب في عهد سابقه أعلن وزير العدل الأمريكي إيريك هولدر الاثنين الماضي قراره بفتح التحقيق في خروقات وكالة الاستخبارات الأمريكية إبان استجوابها للمتعلقين المشتبه تورطهم في عمليات إرهابية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. إعلان هولدر بتعيين المدعي العام الفيدرالي جون دورهام للقيام بما سماه «تحقيق أولي» كان الخبر المتوقع هذا الصيف خصوصا بعد أن سربته مصادر في وزارة العدل الأمريكية لجريدة لوس أنجليس تايمز مؤخرا. اختيار يوم الاثنين الماضي تحديدا لم يكن صدفة بل تزامن مع نشر وزارة العدل بعضا من تقرير مفتش السي آي ايه العام الذي صدر عام 2004 بموجب دعوى رفعها اتحاد الحريات الأمريكية المدنية إحدى أهم منظمات حقوق الإنسان الأميركية ضد الإدارة السابقة بموجب قانون حرية المعلومات الأمريكي. يوضح التقرير الصادر عن جهة المراقبة والمتابعة في وكالة الاستخبارات الأمريكية والذي تم حجب مقاطع كبيرة منه، وسائل تعذيب متنوعة استخدمتها الإدارة السابقة في ماسمته «برامج الاستجواب المحسن» ويشكك في قانونية هذه الوسائل ومدى جدواها أيضا. لن أسهب في الحديث عن طبيعة وسائل التعذيب الذي كشفها هذا التقرير ومنها على سبيل المثال لا الحصر تهديد سجين بقتل أطفاله وآخر بالتعرض الجنسي لأهله وتمثيل محاكمات إعدام غير حقيقة للضغط النفسي على السجناء وغيرها.
اختيار المدعي الفيدرالي العام جون دورهام المعين حديثا لتقصي التعذيب داخل السي آي ايه اختيار موفق فدورهام لديه خبرة جيدة في هذا المجال حيث كان محققا من قبل في قضية تدمير الوكالةغير الشرعي لشرائط فيديو قيل حينها أنها تثبت تهمة التعذيب المتعمد وغير المشرع قانونيا. التقرير الجديد على بشاعته هو إضافة توثيقية هامة لسابقه الذي نشر أبريل الماضي و سمي حينها «بوثائق بوش للتعذيب» وأعتقد أننا سنرى العديد من هذه الوثائق السرية واحدة تلو الأخرى ليس في الأشهر القليلة المقبلة بل لسنين طوال مقبلة.
اعتبرت الصحافة الأمريكية ومنظمات حقوق الإنسان هنا قرار هولدر خطوة أولى مبشرة ولكن غير كافية مطالبين بأن لا ينال التحقيق القانوني موظفي السي آي ايه فحسب المنفذين للأوامر بل ليطال الإدارة الأمريكية السابقة ككل. افتتاحية النيوييورك تايمز البارحة وصفت تصريحات البيت الأبيض الأخيرة والتي تتكرر دائما «بالرغبة للنظر للزمام عوضا عن الخلف (ب ) المحزنة» مطالبة بتحقيق شامل «يرجع الأمة الأمريكية تحت مظلة القانون .. ليتأكد للشعب أن المستقبل لن يحمل لهم رئيسا آخر قد يرغب بخرق القانون كما فعل بوش.» في الوقت ذاته لازال اليمين الأمريكي على رأيه الذي يتضح جليا في صفحة رأي جريدة الوال ستريت جورنال على في خطورة تقليب الماضي وضرورة القفز عليه كما عبرت كاتبة الرأي فيها بيغي نونان في لقاء تلفزيوني سابق إبان نشر الوثائق الأولى بخيبة أملها قائلة بأنها لا ترى كيف سيفيد نشرها أمة عظيمة كأمريكا يتوجب عليها «أن تمضي قدما وتواصل السير».
موقف الجريدتين المتناقض كليا من ملف التعذيب ينقل صورة حقيقية عن انقسام الرأي العام الأمريكي حول طريقة التعامل مع ملف التعذيب والذي أعتقد أنه قد بات يميل ناحية مواجهة حقيقة خصوصا اذا استمرت الوثائق السرية بالظهور للساحة من حين لآخر مسببة صدمة تلو الصدمة للمواطن الأمريكي الذي يكتشف بأن طرق التعذيب الذي استخدمها الاتحاد السوفيتي وكوريا الشمالية ضد مواطنيه وطالما نددت بها الحكومات الأمريكية السابقة استخدمت لثمان سنوات على أرض أمريكية بأوامر رئاسية عليا. لم ينجح الإرهاب في تفجير البرجين في أحداث الحادي عشر من سبتمبر فحسب وإنما نجح مع الأسف في ردة فعل خرقاء تسببت في ثمان سنوات مظلمة في تاريخ العدالة الأمريكية الدستورية ستبقى تبعاتها طويلا تماما كندوب جراح حرب فيتنام بل وربما أكثر. من الصعب حقيقة التكهن بدقة عن ما تحمله الأيام المقبلة وهل سنرى فعلا نهاية عادلة حقيقة شاملة بمحاكمة إدارة بوش؟.
على النقيض من تنوع الآراء داخل أمريكا أستطيع أن أجزم أن غالبية قراء وقارئات هذا المقال على أهبة الاستعداد للجزم بأن لا نهاية عادلة ترجى من أمريكا على أية حال متأبطين حزمة متنوعة من نظريات مؤامرة آخر ما وصلني منها أن نشر الوثائق هو مجرد جملة دعائية تقوم بها إدارة أوباما. لهؤلاء أحب أن أعلمهم بأن اتحاد الحريات المدنية الأمريكية وهو منظمة أمريكية حقوقية مستقلة والمحرك الرئيسي لنشر هذه الوثائق والقائم بالعديد من الدعاوى على إدارة بوش هو من يترافع عن المتهم السعودي عبدالرحيم الناشري المحتجز في غوانتانامو ضمن برنامج مساعدة قانونية يسمى بمشروع جون آدمز، والذي أوضح التقرير الأخير تعرضه للتهديد بالإعدام كوسيلة ضغط نفسي. إطلاق اسم جون آدامز من قبل اتحاد الحريات المدنية الأمريكية على مشروع المساعدة القانونية لضحايا بوش من المتهمين ليس عبثيا فآدمز ليس فقط الرئيس الثاني للولايات النتحدة الأمريكية وأحد الآباء المؤسسين الموقعين لوثيقة الاستقلال الأمريكي بل هو أيضا من قام بالترافع عن الجنود البريطانيين المتهمين بقتل الأمريكان فيما يسمى بمذبحة بوسطن خلال حرب الاستقلال واصفا ذلك في عبار شهيرة له : «إحدى أفضل الخدمات التي قدمتها لبلادي».
ما أريد قوله باختصار شديد: في بلد القانون ديدنه وعماده لاتضيع الحقيقة وتظهر ولو بعد حين، وكل رمضان ونحن أكثر صدقا مع أنفسنا قبل أن نطالب الآخرين بما لا نملك
ebtihalus@gmail.com
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 249 مسافة ثم الرسالة
بدايتنا الجديدة «العادلة» مع أمريكا
26 أغسطس 2009 - 18:16
|
آخر تحديث 26 أغسطس 2009 - 18:16
تابع قناة عكاظ على الواتساب