يرى الدكتور لطف الله خوجه الأستاذ بقسم العقيدة بجامعة أم القرى أكاديمي حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراة في المذهب الصوفي في حوار للدين والحياة يرى أن أكثر المتصوفة لا يعرفون حقيقة التصوف وشطحاته ومثالبه واختلالاته وإلا لما قبلوا بذلك مطلقاً. خوجة يرى أن التصوف مذهب معروف بهذا الاسم نفسه في الثقافات القديمة: الفارسية، والهندية، والكونفوشوسية، والإغريقية، واليهودية، والنصرانية مشيراً الى ان الدراسات أثبتت التوافق الظاهر في الأفكار ما بين التصوف في الإسلام، والتصوف في تلك الثقافات القديمة في أفكار أصلية، ليست فرعية. فإلى نص الحوار:
بدايةً ما حقيقة التصوف؟
- اختلف الناس في ذلك اختلافا كبيرا، فهناك من يثني على المتصوفين وهناك من يذمهم من أثنى على التصوف فإنه يقول (ان التصوف من الصوف، والصوف شعار الزهد، فالتصوف هو الزهد. وقد نشأ ردة فعل على استغراق الناس في شهوات الدنيا، أما من ذمهم فهو يقول ان التصوف هو التزكية وحسن الخلق. فمقصوده العناية بالروح، مقابل من يعتني بالبدن )، أما المعترضين يقولون غير هذا حيث يقولون (أما عن النسبة إلى الصوف، فإنهم يقولون: لو كان من الصوف، فلم أعرضوا عن لبسه، فلم يتميزوا به؟. فهذا القشيري يذكر في كتابه «الرسالة»: أن الصوفية لم يختصوا بلبس الصوف. وهذا صحيح، فالصوفية لم يعرفوا بهذا اللباس، لا قديما ولا حديثا.
وهذه النتيجة (عدم الاتصال ما بين التصوف والصوف) مؤكدة بأمور، منها أن أئمة التصوف أشاروا إلى أن التصوف لم يأخذ اسمه من الصوف؛ أشار إلى هذا القشيري في رسالته، قال: «وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب»، وافقه على ذلك الهجويري في «كشف المحجوب»، ولم يعترض أحد على هذا التقرير، وثانياً أن الأئمة المتقدمين، المؤسسين للتصوف، هم الذين في القرن الثالث والرابع، حينما تكلموا عن حقيقة التصوف في جواب: ما هو؟. لم يذكروا الصوف، إلا في تعريف يتيم أو تعريفين، ضمن ما يزيد على سبعين تعريفا. ولو كان له علاقة به لم يهملوه. نعم بعضهم ذكره، لكن هؤلاء متأخرون، وذكرهم كان في سياق التفسير والتعليل لنشأة التصوف، وليس تعريفا. وقد تقدم أن تفسير التصوف به (الصوف) باطل، كما في قول القشيري: أن المتصوفة لم يختصوا به.
التصوف والزهد
فهذا عن الصوف.. أما الزهد، فإن الذي شهد به المتصوفة، كالسهروردي صاحب «عوارف المعارف»، ومن المعاصرين منهم: عبد الحليم محمود شيخ الأزهر، والتفتازاني شيخ مشايخ الطرق الصوفية، ومحمد زكي إبراهيم شيخ العشيرة المحمدية في مصر: أن التصوف ليس هو الزهد نفسه، بل شيء آخر، ليس الزهد فيه شرطا. كما ذكر هذا ابن الجوزي، فقال: «التصوف مذهب معروف يزيد على الزهد. ويدل على الفرق بينهما: أن الزهد لم يذمه أحد، وقد ذموا التصوف».
وإذا بطلت العلاقة بالصوف لفظا، وبالزهد معنى مختصا، بطل القول: إن التصوف ردة فعل على استغراق الناس في شهوات الدنيا.
ويزيد هذا تأكيدا: أن التصوف، كطائفة ومذهب، ابتدأ في نهاية القرن الثاني وبداية الثالث. والإقبال على الدنيا بدأ قبل ذلك بمائة وخمسين سنة، منذ اتساع الفتوحات، وجلب الأموال من كل مكان، أما عن التزكية والخلق.. فهذا موجود في تعريفاتهم بصورة واضحة، لكن السؤال: ما كنه هذا الخلق؟
والباعث على هذا السؤال: هو ما ورد عنهم في هذا المعنى. حيث قالوا: التصوف هو: التخلق بأخلاق الله. وقد ذكَّرَنا هذا بتعريف الفلسفة، حيث قيل فيها: التشبه بالإله على قدر الطاقة.
وقد أفصح ابن عربي عن هذا الاتفاق حين قال: «فاعلم أن التصوف تشبيه بخالقنا».
والمقصود بأخلاق الله: صفات الله تعالى. ومع أن العبارة غير شرعية، فإنها كذلك مطلقة غير مقيدة، حيث تتضمن: دعوى قدرة الإنسان على اكتساب كامل صفات الله تعالى. فإنهم لم يفرقوا بين ما يقدر عليه، وهو مشروع (الحلم والكرم) وما لا يقدر عليه ( الخلق، التدبير، علم الغيب المطلق)، وما لا يجوز له مع قدرته عليه ( كالكبر).
ذلك لأن حقيقة التصوف يهدف إلى الاكتساب الكامل للصفات الإلهية، يقول الجنيد في هذا: «دخول صفات المحبوب (الله) على البدل من صفات المحب (الإنسان)».
ومن هنا صدرت ما يسمى بالشطحات – وهي كلمات تولدت عن نظرية متكاملة، كامنة في النفس، بدت في أوقات غلبة الحال، ليست عفوية - عن أئمة في التصوف، لا يطعن فيهم أحد من المتصوفة، لا قديما ولا حديثا، كالبسطامي، والحلاج، والشبلي، حيث كان يقول أحدهم: “أنا الله”، “أنا الحق”، حتى ابن عربي الذي قال في فصوص الحكم، في فص حكمه عليه، في كلمة:
فأنت عبد، وأنت رب
لـمن فيـه أنت عبد
وأنت رب، وأنت عبد
لمن له في الخطاب عهد
ونصوصهم في هذا المعنى كثيرة جدا، تبين حقيقة التصوف، التي يخفيها من يعرفها، وهم قلة قليلة في هذه الأمة، لكن أكثر المتصوفة لا يعرفون هذه الحقيقة، وتصوفهم ليس من هذا النوع، ولو عرفوها ما قبلوها، لظهور فسادها؛ ولذا كان من المهم في الأحكام: التفريق بين الفكرة والمنتسبين إليها. فليس كل من انتسب إلى أية فكرة، بالضرورة هو مؤمن بها، فقد لا يطلع على كنهها.
يرى المتصوفون أن الصوفية تعني الإحسان المرتبة الثالثة من أركان الدين ما رأيكم في ذلك؟
الإحسان: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). هكذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم، وتعريف التصوف به لم أقف عليه في تعريفات المتصوفة المؤسسين، إنما الذي ورد ما سبق ذكره: الخلق. وقد تبين معناه، كذلك: الصفاء، والفناء. فالأول ظاهر في تعريفاتهم، بل هو الأكثر ذكرا. أما الآخر فهو المعنى الأدق للتصوف، بحسب تعبير أبي الوفا التفتازاني شيخ مشايخ الطرق الصوفية في مصر، وبه قال الطوسي، وأبو المواهب الشاذلي، وغيرهما، وهو معنى كثير من كلمات المتقدمين كالجنيد والمزايلي وغيرهما. وعلى معناه تدور مصطلحات كالاصطلام، والمحو، والوجد، ونحوها، التي وضعت لبيان حال المتصوفة، وحقيقة التصوف.
ثم.. إن في دعوى اختصاص المتصوفة بهذا المقام، وكذا مقام التزكية، دون غيرهم، فيه إجحاف ظاهر بأهل العلم والصلاح من غير المتصوفة، كأهل الحديث والفقه والأولياء والصالحين، خصوصا أولئك الذين عاصروا التصوف منذ بدايته، كالأئمة مالك والشافعي وأحمد؛ فإنه لا أحد يشك في مقامهم الرفيع، وحقيقة الأمر أن المتصوفة ينزلون مرتبة هؤلاء - وبالعموم كل من لم يكن صوفيا- عن مرتبة أئمة التصوف، ومن الأدلة على ذلك:
- صنيع الطوسي في «اللمع»، حيث جعل مقام أهل التصوف، فوق مقام أهل الحديث والفقه.
- كذلك صنيع القشيري الذي هو أصرح وأبلغ من ذلك؛ إذ جعل العامي من المتصوفة ذا مقام أعلى من مقام العالم من غيرهم، كما في قصة الشافعي وأحمد مع شيبان الراعي، حيث جعل من الأخير حكيما فقيها، يعرف من مقاصد الشريعة ما لا يعرفه الامامان، ثم عقب بقوله: «وشيبان الراعي كان أميا منهم، فإذا كان حال الأمي منهم هكذا، فما الظن بأئمتهم».
ولما شعر بعضهم بصعوبة تجاوز هؤلاء الأئمة: ادعى أنهم متصوفة، فأدرجهم معهم، ثم نسب إليهم كلمات في مدح التصوف، لم تثبت عنهم.
ثم لو فرضنا أنه ورد عن بعضهم كلمات، يفسر بها التصوف بالإحسان، فهذا بمجرده لا يكفي لتعريف التصوف به؛ إذ هذا معارض بتعريفات هي عشرات وربما مئات، تعرفه بغير هذا المعنى، بل الصحيح أن يحمل على وجه: أن المعنى المذكور هو تعبير عن وجهة نظر من قائله، استفادة من نصوص الشريعة لا التصوف. فإن معاني التصوف إنما تؤخذ باستقراء أقوال المتقدمين المؤسسين، فينظر فيما أجمعوا عليه أو هو قول جمهورهم، فهو معنى التصوف، لا الأقوال الشاذة والمتأخرة.
هذا، والإحسان لا يقال عنه: إنه ركن من أركان الدين؛ لأنه لو كان ركنا لوجب على جميع المسلمين أن يأتوا به، وإلا لم يصح دينهم، كأركان الصلاة لا تصح بدونها، والحال: أن أكثر المسلمين يعجزون عن هذه المرتبة. والذين يطبقونها هم القلة؛ ولأجل هذا فهو مستحب لا واجب، للرحمة الإلهية في عدم تحميل الأنفس ما لا تطيق، فالمقامات العالية لا تجب، بل تستحب، إنما الواجب ما كان حدا أدنى في الدين؛ كونه في مكنة الجميع. وعليه فالصحيح أن يقال: إن الإحسان هو المرتبة الثالثة من مراتب الدين، وهو فوق الإسلام والإيمان. وفرق بين كونه مرتبة، وكونه ركنا.
ليسوا سواء
هل افهم من حديثك أنك تريد القول بأن التصوف مذهب باطل؟
- ليس الإقرار من جهة أن التصوف منحرف، بل من جهة أنه موجود في المتصوفة، ودليل ذلك: أن بعضا منهم يعلن البراءة من الانحراف والغلو، والتمسك بالاعتدال والسنة.
فهذه البراءة دليلُ إثباتٍ على أن هذا المسلك المنحرف وجد فيهم. ثم بعد ذلك البحث: إن كان انحرافا أصيلا أصليا، أو طارئا. والدلائل الواضحة تشير إلى: أنه انحراف في بنية الفكر الصوفي.
أشرتم الى أن بعض المتصوفة يعلنون براءتهم من ذلك بمعنى أن في كل زمن شواذ أفليس من العدل قبول براءتهم، وتبرئة التصوف من هذا الانحراف، كما أننا نتبرأ نحن المسلمين من أعمال بعض المسلمين المنحرفين، ونعلن أنها ليست من الإسلام في شيء، خصوصا أن أئمة المتصوفة ذكروا وجوب التقيد في الطريقة بالكتاب والسنة؟.
- بالعدل قامت السموات والأرض، لكن ليس من العدل في شيء: اعتماد براءة صورية غير حقيقية. فإن المسلك العام الذي عليه كثير من المتصوفة، المنكرين المتبرئين من الانحراف والغلو، الواقع في إطار التصوف: مسلك صوري لا حقيقي؛ بمعنى أن إنكارهم فارغ المضمون. يتبين ذلك من ثنائهم على أولئك الغالين المنحرفين، والتماس العذر لما صدر منهم، بل وتأويله تأويلا باطنيا، كما فعل الطوسي.
نريد أمثلة لمن ترى أنهم غلو في الدين؟
- أقرب الأسماء إليك: الحلاج، وابن عربي.
وما رأي المتصوفة فيهما؟
- إنهم يترحمون عليهما، وينسبونهما إلى المقامات العالية، ويستشهدون بكلامهما، كما فعل القشيري والهجويري والطوسي مع الحلاج، ويقولون عن ألفاظهم المنحرفة: إنها كلمات دقيقة، ولدقتها حملها أهل الظاهر على غير وجهها، فضلوا. يقولون ذلك عن ابن عربي، منذ القديم وإلى اليوم، وهو الذي سبق نقل شيء من كلامه شعرا في الاتحاد ما بين العبد والرب جل شأنه، وله كلام شنيع للغاية، موجود في «فصوص الحكم».
فإذا كانوا يعظمون المنحرفين، فهل من العدل الثقة في هذه البراءة، وتبرئة التصوف من الانحراف؟.
- بل موقف كهذا فيه الإشارة إلى أن هذا الانحراف هو في بنية التصوف، لا ينفك عنه.
أما عن أقوال أئمة التصوف في وجوب التقيد بالكتاب والسنة، فهذا صحيح عنهم، ويبقى إظهار هذا التقيد بصورة عملية واضحة، لتحقيق هذه الوصايا، خصوصا فيما يتعلق بتوحيد الله تعالى وإفراده وحده بالطاعة والعبادة دعوة وتبليغا.
لا يمكنك القول إن المتصوفة كلهم منحرفون غلاة، في ظل وجود عدد من المعتدلين إلا بدليل؟
- ما سبق كان بيانا لحقيقة الفكرة الصوفية، ظهرت من خلال دراسة أقوال وأحوال المتصوفة، فكانت النتيجة تلك، أما حقيقة المتصوفة فذاك الأمر الذي يحتاج إلى بسط بيان؛ فالحكم على الفكرة بشيء لا يلزم منه الحكم ذاته على المنتسبين إليها. فمثل هذا اللزوم يحتاج إلى جملة شروط، ليست معرفة حقيقة الفكرة إلا إحداها، وأولها، ووراءها ثان، وثالث، ورابع. حتى ستتم الشروط.
وعليه: فالحكم بانحراف الفكرة لا يلزم منه أن كافة المتصوفة، أو عامتهم متحققون بالفكرة. كلا، بل أكثرهم يأخذون الطرف ويدعون الأصل، ولو عرفوا حقيقة التصوف لما أقاموا عليه ساعة. إن كثيرا من المتصوفة ما انتسبوا إلا يريدون التزكية وإصلاح الباطن، يظنون أن طريق القرب من الله تعالى هو هذا الطريق لا غير، وهم مثابون على نياتهم، وليس من العدل تضليلهم بمجرد هذه النسبة.
أما أن هناك من يظهر إنكار الغلو، وفي باطنه هو من أهل الغلو، فهذا موجود في المتصوفة، كما هو موجود في غيرهم، لكنهم قليل، والأصل أن عامة المتصوفة ليسوا كذلك.
ثقافة قديمة
تحدثت على أن التصوف معروف في الثقافات القديمة، متى وكيف كان؟
- التصوف مذهب معروف بهذا الاسم نفسه في الثقافات القديمة: الفارسية، والهندية، والكونفوشوسية، والإغريقية، واليهودية، والنصرانية. وهذا أمر يعرفه الباحثون في التصوف، ولا ينكرونه.
فهذا الاتفاق، بين كل هذه الثقافات، في إطلاق هذا الاسم (التصوف) على هذا المذهب. ألا يدل على أنه أجنبي، وأن هذا المذهب عند المسلمين، ما هو إلا صدى وانعكاس لهذه المذاهب القديمة؛ إذ جاء متأخرا عنها؟.
وليس هذا فحسب، بل إن الدراسات أثبتت التوافق الظاهر في الأفكار ما بين التصوف في الإسلام، والتصوف في تلك الثقافات القديمة في أفكار أصلية، ليست فرعية، منها: الفناء، والتخلق بأخلاق الله تعالى، والحلول والاتحاد، ووحدة الوجود. وقد ذكر هذا من الباحثين القدماء، المؤرخ البيروني في كتابه: “تحقيق ما للهند”، ومن المعاصرين: عمر فروخ، والنشار وغيرهما، فالمتصوفة حملوا الأفكار الصوفية، الموجودة في الثقافات القديمة قبل الإسلام.
ما نقاط الالتقاء بين المتصوفة وغيرهم من أهل المذاهب الأخرى؟
كلا، ليس هذا بصحيح، بل الصحيح أن يقال: الالتقاء متعذر بين التوحيد والوحدة، بين مذهب يقرر عبودية الإنسان ومذهب يقرر قدرة الإنسان على بلوغ مرتبة الربوبية. هكذا هي المعادلة.
أما المسلمون فبينهم التقاء يمليه عليه إسلامهم وتوحيدهم لله تعالى. وانتساب جمع من المسلمين إلى التصوف لا يخرجهم من أهل السنة والجماعة، وقد تكلم كثير من العلماء في التصوف نقدا ونقضا، ولم يتكلموا بشيء فيه إخراج المتصوفة من السنة.
فهم من أهل السنة والجماعة، إلا من تبنى حقيقة الفكرة؛ التي تجعل من الإنسان صورة عن الله تعالى، له كامل صفاته، وخصائصه، أو تقرب إلى مخلوق بما يتقرب به إلى الخالق تعالى.
فهذا ليس من الإسلام بالإجماع، والذين يعتقدون هذه العقيدة قليلون جدا، ولا يثبت هذا المعتقد على أحد بمجرد كلام محتمل، فإن كان صريحا فهذا يبين له حقيقة الأمر. واليقين: أنه ما من مسلم أو صاحب فطرة سليمة يقبل بهذا المعتقد، لكن الوهم يأتي من جهة الاشتباه والتلبيس.
ثم إن من المبادئ الإسلامية: معرفة ما للإنسان من صواب وخطأ. فأما الصواب فيحمد عليه، ويستفاد منه فيه، وأما الخطأ فينصح فيه، ويجتنب تقليده في ذلك.
وفي ضوء هذا المبدأ: استفاد المسلمون بعضهم من بعضهم، حتى لو اختلفت مذاهبهم، وكان عند بعضهم شيء من الخطأ أو الانحراف. فمن هذا القبيل الاستشهاد بكلام أئمة التصوف، وذلك فيما ورد عنهم من كلام ينصر السنة والإسلام، فهذا الاستشهاد حسن مقبول، وهو غير مانع من نقدهم، وبيان ما أخطئوا فيه، وليس في هذا أي تناقض.
ولكن هل أنت مع من يقول بأن ظاهرة التعددية المذهبية ظاهرة طبيعية، وسمة لازمة في جميع الأديان والعقائد؟.
- هي ظاهرة طبيعة من جهة تقدير الله تعالى الكوني، وليست طبيعية من جهة الإرادة الشرعية. فالله تعالى أراد التعدد والاختلاف قدرا وكونا، ولم يرده شرعا.
فهذا الاختلاف والتعددية سمة لازمة في هذا العالم، فقدر هذه الحياة الدنيا الاختلاف؛ لكونها مزيجا من الخير والشر، والإيمان والكفر، والهدى والضلالة، تكون كذلك حتى قيام الساعة.
ومع كونها سمة، إلا أنه لا يستنبط منها صحة جميع تلك المذاهب والأديان، كلا، فالحق المنزل من عند الله تعالى واحد، هو ما أنزله على أنبيائه ورسله، من توحيده بالطاعة والعبادة، والإيمان باليوم الآخر، ونحوه من الأصول، فمن اتبع ما جاء به المرسلون فهو على الصراط المستقيم، لا من خالفهم.
وحاصل ما يلحظ في طرق هذه القضايا: أنها تنحو منحى المساواة بين كل هذه المختلفات، وطرحها في صورة الحق النسبي، فكلها على الحق، لكن من وجه نسبي، أما الحق المطلق فلا وجود له؟!!. وهذا خطأ، وأمر خطير على دين أنزله الله تعالى، ورضيه لعباده ولم يرض لهم غيره هو: الإسلام.
هل تريد القول انه لا يمكن المساواة؟
- إن المساواة بين المختلفات فيه هضم لعلو الإسلام على سائر الأديان، وعلو مذهب الصحابة على سائر المذاهب، وفيها التسوية بين الأعلى والأدنى. والله تعالى يقول:
}ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين|، ويقول }وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أءسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ|.
ومع علو الإسلام على سائر الأديان، ومذهب الصحابة على سائر المذاهب، إلا أن ذلك غير حائل عن أنواع التواصل مع سائر المخالفين، بما يحقق الفائدة للجميع، دون الإضرار بالإسلام في شيء.
واعتبار أن الإسلام ومذهب الصحابة حق مطلق، لا يلزم منه هضم المخالفين حقوقهم، أو العدوان عليهم، بل الصورة المثالية هي التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: لا شك أنهم كانوا يعتقدون أنهم على الحق المطلق، وإلا لما صبروا عليه، وجاهدوا فيه، وبلغوه إلى العالمين، ومع ذلك ما كانوا يضرون أحدا في شيء بدون حق، بدعوى أنهم على الحق المطلق.
د. خوجة استاذ العقيدة بأم القرى لـ «الدين والحياة»:
معظم المتصوفة يريدون إصلاح الباطن وهم مثابون بالنية وليس عدلا تضليلهم
28 يونيو 2006 - 20:22
|
آخر تحديث 28 يونيو 2006 - 20:22
معظم المتصوفة يريدون إصلاح الباطن وهم مثابون بالنية وليس عدلا تضليلهم
تابع قناة عكاظ على الواتساب
حاوره: فالح الذبياني تصوير: حسن القربي