في الأغاني العربية يكثر ترديد عبارات الشكوى من الهجر والقطيعة وعدم الوصال وتكاد تتشابه الأغاني كلها في نوع تناولها لموضوع الهجر فلا اختلاف ولا تنوع أو تفصيل، ولوجه الحق، فإنه ليست الأغاني وحدها التي حين تتحدث عن الهجر تتحدث عنه كشيء واحد بلا تفصيل وإنما الشعر العربي يكاد يكون في معظمه يحمل هذه الصفة. ولعل هذا ما يصنع الفرق بين الشاعر والباحث، فالشاعر كل همه أن يبث أحاسيسه الملتاعة بسبب الهجر، وأن يعبر عن أمانيه في اللقاء إن كان الهجر بسبب بعد المكان، أو حلمه في الصلح إن كان الهجر بسبب الغضب، لكن الباحث عادة لا يهمه هذا لأنه يتحدث عن الهجر من منظور من هو خارج المعاناة، وليس من منظور من هو واقع فيه. وفي طوق الحمامة يوغل ابن حزم في الحديث عن الهجر بتفصيل علمي منظم ودقيق، فهو يصنف الهجر إلى أنواع خمسة هي: هجر (الحذر) وهو هجر يحدث من غير إرادة الحبيب فلا يد له فيه، وهو هجر يفرضه الاحتراز والتحفظ من الرقيب. كما عبر عن ذلك أبو حية النميري:
أصد وما الصد الذي تعلمينه ... عـــــزاء بنا إلا ابتــــلاع العلاقم
حياء وتقيا، أن تشيع نميمة ... بنا وبكم، اف لأهل النمائم
والنوع الثاني، هجر (الاختبار) وهو هجر يراد به فحص قوة الحبيب، وتجربة مدى شدة تحمله معاناة الفراق والبعد. كقول أحدهم:
وإني وإن أعرضت عنـك لمنطــــو ... على حرق بين الجوانب والصدر
والنوع الثالث هجر (الذنب) وهو هجر يسببه ارتكاب الحبيب لذنب يوجب الغضب، وهذا النوع من الهجر ليس أمره هينا كسابقيه، وقعه شديد على النفس، إلا أنه رغم شدته، هو عند الرجعة له في القلب فرحة عظيمة. أما النوع الرابع، فهو هجر (القلى) الذي يحدث على يد الوشاة الذين يدبون دبيب العقارب بين المحبين فيولدون الكراهية في قلوبهم، ويفسدون ما بينهم ويقطعون حبال وصلهم وأخيرا يأتي النوع الخامس، هجر (الملل) وهو هجر فطري لاحيلة لأحد فيه وليس هو ذنب أحد، فالملل كما يرى ابن حزم: «من الأخلاق المطبوعة في الإنسان»، ولذلك فإن الهجر بسبب الملل حدث طبيعي ومقبول، إلا أن عيبه أنه قد يحدث عند أحد الطرفين قبل الآخر. ومع ذلك فإن ابن حزم حين يتحدث في مكان آخر عن (الملل) كأحد أسباب السلو، يبادر فيقرر أن من كان سلوه عن (ملل) فإن حبه زائف ليس حقيقة. وأخيرا يحذر ابن حزم من كثرة الهجر وضرره بالحب فالهجر إذا تطاول والعتاب إذا كثر، كان بابا إلى السلو.
إلا أن ابن حزم، رغم كونه فقيها، لم يتطرق إلى نوع آخر من الهجر يمكن أن نسميه هجر (التقوى) وهو الذي يحدث ابتغاء مرضاة الله وحذر سخطه. فلم أغفل ذلك؟
فاكس 4555382-01
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات
أو 636250 موبايلي تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة
أخبار ذات صلة