ضحايا المخدرات في ازدياد والمدمنون يتساقطون تباعا، وفي كل يوم نفقد أعز ما نملك من شبابنا، فبالأمس القريب أسقطت الأجهزة الأمنية شبكة لتهريب وترويج المخدرات من أربع عصابات، ضبطت بحوزتها 1768 كيلو جراما من الحشيش وما يزيد على ثلاثة ملايين من حبوب الكبتاجون المخدرة، ما يؤكد استهداف أمن الوطن وأجياله الشابة وتدمير عقولها وإهدار طاقاتها، ما يعجل بطرح هذه القضية عن حجم المشكلة ومخاطرها على المجتمع والمدمن نفسه وأسرته، وأضرارها والأسباب والعوامل التي تدفع البعض لتعاطيها، والجهود التي تبذلها مختلف الجهات ذات الصلة للخروج من المشكلة والتقليل من تداعياتها على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع. القصص التالية التي يرويها لـ«عكـاظ الأسبوعية» أناس وثيقو الصلة ببعض المدمنين، تكشف إلى أي مدى يمكن أن تكون المخدرات معول هدم يقوض أركان الأسر ويفرق الأزواج ويشرد الأبناء.

زوج صالح
تروي أم محمد (من منطقة عسير) وهي تتحسر على زوجها وتشتت أبنائه الذين ضاعوا بسبب إدمانه المخدرات، فتقول: كان زوجي رجلا صالحا وعلى قدر كبير من الأخلاق لا يعرف سوى بيته وعمله، وكنت أشعر بسعادة غامرة عندما يجلس معنا في البيت أو نخرج معا للنزهة. رزقنا خلال فترة زواجنا بولد وبنت في عمر الزهور، إلى أن وقعت مشكلة بسيطة ودخل الشيطان بيننا، فطلبت الطلاق، وذهبت إلى أهلي، وبعد فترة تدخل أهل الخير وأعادوني إليه، لكنني بعد أن عدت لاحظت عليه تغيرات في سلوكه، إذ كان عادة ما يخرج من البيت ولا يعود إليه إلا متأخرا، متوترا وشديد العصبية، ما جعلني أصر على معرفة سر هذا التغير، لأكتشف أنه مدمن حبوب وحشيش، حتى أنه ترك العمل ثلاث مرات إلى أن تم فصله بسبب تكرار الغياب والإهمال.

ضاع شقيقي
أما أ، أ (34 عاما) الذي كان ممددا في وقت الظهيرة تحت أحد الجسور في جنوب جدة غير آبه بإزعاج السيارات أو غيرها وكأنه لا يعي ما حوله، فيقول عن سبب وجوده في هذا المكان، وملامح الأسى والندم بادية على وجهه «دخلت عالم الإدمان منذ أن كنت شابا يافعا، والسبب أصدقاء السوء، ووجدت نفسي بعد ذلك وحيدا. خسرت أسرتي ودخلت السجن أكثر من مرة، وفي نهاية المطاف خسرت كل شيء، حتى منزلي الذي كنت أسكنه طردت منه لعدم تمكني من دفع الإيجار الذي تراكم علي، فوجدت نفسي هنا وحيدا بعد أن تخلى عني الجميع. لا ألوم أحدا منهم لكنني ألوم نفسي، فأنا السبب فيما حصل وكم أتمنى أن أشفى وأجد حلا لإدماني، حتى أعود من جديد لأعيش حياتي بصورة طبيعية وبكرامة».
ويتداخل شقيقه قائلا: تحملناه كثيرا، وتحملنا المصاعب من أجل تقويمه وإعادته إلى الطريق السوي، لكنه كان عنيدا فقد تمكن منه الإدمان وأصبح أسيرا له، حتى فقد وظيفته بسبب كثرة الغياب، وفقد أسرته المكونة من زوجته وأطفاله الثلاثة، وأدخل السجن بسبب تهريبه الحشيش والحبوب المخدرة، لقد ضاع شقيقي وضاعت أسرته، لكنه ندم الآن، ولن نتركه وحيدا وسنحاول أن نجد له علاجا يساعده على ترك المخدرات التي يتعاطاها.

تتستر على المدمن
فاطمة (أربعينية) تزوجت قبل سبع عشرة سنة رجلا لم يكن يخطر على بالها يوما أن تكون له صلة بالمخدرات ناهيك عن كونه مروجا ومدمنا، لتكتشف بعد عشرة طويلة أنه ليس من تظن.
تروي فاطمة قصتها قائلة: قبل سبع عشرة سنة تقدم لأسرتي هذا الرجل وطلب يدي للزواج، وكأي فتاة كنت أحلم بالزواج والاستقرار مع زوج صالح، لم تقصر أسرتي في التحقق من أخلاقه ومن أنه الرجل المناسب لي، وبدأت حياتي الزوجية في كنف هذا الرجل وخلال السنوات الخمس الأولى كنت أرصد أمورا كثيرة، لم أقتنع بها وخاصة فيما يخص دين زوجي وتعامله القاسي معي، إلا أن والدتي وبعض من كنت أستشيرهم كانوا يحثونني على تحمله وأنه سوف يتغير مع مرور الأيام، وأن واجب الزوجة محاولة تعديل سلوك زوجها الخاطئ والحرص على بناء أسرة مستقرة، وليس من حقها إثارة المشاكل والمتاعب.
وتضيف فاطمة: رزقت منه بمولودي الأول، وكنت آمل أن يكون هذا التغيير الجديد في حياتنا سببا في تغيير زوجي وطباعه السيئة، لكنني فوجئت بأنني طيلة ثلاث سنوات متزوجة من مدمن مخدرات، وهذه التصرفات السيئة التي يعاملنا بها إنما هي نتيجة طبيعية لشخص مدمن، ترددت كثيرا في إخبار أسرتي وبقيت أتحمل الويلات منه لمدة سبع سنوات كنت أحرص خلالها على ألا يعلم أحد بما يحدث داخل بيتنا، وخاصة بعد أن أصبح لي منه أربعة أطفال كانوا هم من أجبرني على تحمل كل هذا من أجلهم، وعلى مدى السنوات التي عشتها معه كنت أحاول جاهدة إصلاحه والمحافظة على استقرار العائلة التي تعيش الويلات من قبل هذا المدمن الذي بت أخاف منه على نفسي وأبنائي، لكنه بكل أسف لم يتوان عن التمادي في إدمانه وتعامله السيئ معي ومع أبنائي، إلى أن اكتشفت أن هذا الزوج ليس مجرد مدمن مخدرات، بل هو مروج لها في الوقت نفسه، بعد أن تم القبض عليه في قضية ترويج مخدرات لا يزال يقضي عقوبتها في السجن حتى اليوم، وبعد أن افتضح الأمر بسجنه قررت الانفصال عنه، وعاتبتني أسرتي كثيرا على التستر عليه والسكوت عنه طيلة تلك الفترة. هو الآن في السجن، وأنا وأبنائي نخشى أن نرفع رؤوسنا أمام الناس من هول الفضيحة التي ألصقها بنا ونحن نحسب كل نظرة تصوب نحونا نظرة ازدراء وانتقاد من المجتمع الذي لا يرحم، واضطررت لأنتقل وأسرتي من قريتنا لإحدى المدن لنعيش بعيدا عن النظرات الجارحة التي ترمينا بالنقص.

يرفضون الاعتراف به
محمد وصالح وفيصل، ثلاثة إخوة عاشوا حياة الأيتام في جدة، بالرغم من أن والدهم لا يزال على قيد الحياة وكذلك أمهم، ولكنهم لا يعرفون أيا منهما سوى مرة في كل ثلاث سنوات، فأبوهم منذ أن عرفوه وهو يتنقل من سجن لآخر في قضايا المخدرات والسرقات، بعد أن فصل من عمله على ذمة قضية مخدرات، وأمهم تطلقت بعد سجنه وتزوجت رجلا آخر، وبقي الأبناء الثلاثة يعيشون في كنف جدهم لأبيهم في إحدى القرى، بعد أن ذهبوا ضحايا لتصرفات والدهم، حتى أنهم رفضوا الاعتراف بأبيهم المدمن كيلا يعيرهم أحد بإدمانه وسمعته السيئة.

150 ألف مدمن
المستشار والخبير في الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات العميد الدكتور عبد الله بن مرزوق العتيبي، أوضح وفقا لتقرير صدر من هيئة الأمم المتحدة لعام 2007 ــ 2008 م، حول استعمال المخدرات والمؤثرات العقلية (المواد النفسية) على مستوى العالم، أن الانتشار السنوي لتعاطي المخدرات يتركز في 200 مليون شخص بنسبة 4.8 في المائة، والذين يتحول سلوكهم من التعاطي إلى الإدمان 25 مليون شخص بنسبة 12.5 في المائة من المتعاطين أي نحو 0.6 في المائة من سكان العالم، والذين يلتحقون بالبرامج العلاجية 4.5 ملايين شخص أي بنسبة 18 في المائة من المدمنين. ويكشف أن عدد المدمنين للمخدرات في المملكة الذين التحقوا بالبرامج العلاجية بلغ 150 ألف مدمن، حسب التقرير الصادر عن هيئة الأمم المتحدة لعامي 2005 و 2006 م، مشيرا إلى أن التقرير الذي تناول التصنيف الجرمي لقضايا المخدرات أظهر أن نسبة قضايا الاستعمال 65.8 في المائة، وقضايا التهريب 6.3 في المائة، وقضايا الترويج 27.3 في المائة، ويقول: إن التعامل مع مشكلة المخدرات لن يكون على قالب أو نموذج واحد، فهناك عدة أوجه، ويمكن النظر إلى المشكلة من ثلاثة محاور أساسية، هي: ما قبل التعاطي (الاستعمال) ويحظى بالجوانب الوقائية، وفترة التعاطي والإدمان التي تحظى بالجوانب العلاجية والتأهيلية، وأخيرا: ما بعد العلاج (التعافي) ويحظى بجوانب الرعاية اللاحقة.
ويشدد على أن نجاح البرامج الوقائية يعتمد على درجة فهمها وإدراكها لواقع المشكلة وظروف المجتمع ونوعية المستفيدين منها، بالإضافة إلى المتابعة المستمرة لرصد درجة التأثير لتلك البرامج، ويقول: إذا تناولنا الجوانب العلاجية والتأهيلية، فإنه يجب علينا الكف عن تحويل مصحات الإدمان إلى ملاجئ توفر الغذاء والدواء والأمن، والانحراف عن أهدافها الأساسية التي أنشئت من أجلها، مشددا على أهمية الجوانب المتعلقة بالرعاية اللاحقة بعد الخروج من البرامج العلاجية.

ارتفاع نسبة المدمنين
مصدر صحي في مستشفى الأمل في جدة أوضح أن نسبة إدمان المخدرات في المملكة تضاعفت 4 مرات، خصوصا في السنوات الخمس الأخيرة، وأن نسبة الإدمان على المواد المخدرة في تزايد، حيث سجلت الأرقام نسبا مضاعفة من المدمنين ما بين رجال ونساء وأطفال، مؤكدا أن مروجي ومهربي المخدرات استحدثوا وسائل مختلفة للترويج.
في حين تؤكد الدكتورة عبلة حسنين، رئيسة القسم النسائي في الإدارة العامة لمكافحة المخدرات في جدة، أن كل الدراسات في هذا الجانب حذرت من انجراف الشباب خلف تعاطي المخدرات، خصوصا الحبوب المنشطة (القشطة) التي تعتبر هذه الأيام من أكثر وأخطر أنواع المخدرات انتشارا، حتى بدأنا نشعر في الآونة الأخيرة بوجود أيد خفية تحاول العبث في الخفاء لإجهاض أحلام مجتمعنا بشتى الوسائل.
ومن أخطر وسائلهم في نشر المخدرات؛ تركيزهم على الحبوب المنشطة التي تضاعف عدد مستعمليها سنويا، وهو إنذار خطير لا بد من التصدي له، مؤكدة حرص أجهزة وزارة الداخلية جميعها، وبالذات أجهزة مكافحة المخدرات، على نشر التوعية في شتى مجالاتها، ومن هذه الأجهزة إدارة مكافحة المخدرات التي لديها الكثير من برامج التوعية والخطط الاستراتيجية للتصدي لهذه الآفة، مطالبة الآباء بمتابعة أبنائهم حتى لا يقعوا فريسة لضعاف النفوس، الذين يغررون بهم ويوهمونهم أن المخدرات هي الطريق للسعادة والنجاح.

حالات قابلة للعلاج
وأرجع الشيخ عبد الرحمن العواجي، إمام مسجد النور في حي العزيزية في جدة أسباب وقوع الشباب في براثن المخدرات إلى الفراغ، مع عدم توفر الأماكن الصالحة التي تمتص طاقاتهم، كالنوادي والمتنزهات وغيرها. واعتبر الفراغ من أقوى الأسباب وراء تعاطي المخدرات والمسكرات، بل وارتكاب الجرائم، مشددا على أهمية اختيار الرفيق الصالح، كون إلحاح الأصدقاء أهم حافز على التجربة كأسلوب من أساليب المشاركة الوجدانية، موضحا أن هذه الحالات قابلة للعلاج، فما من داء إلا وله دواء، وليس كما يتصور أسرى الإدمان، والدليل أن كثيرا من المدمنين التائبين تركوا الإدمان وصارت حياتهم طبيعية بل إن بعضهم أصبح أفضل مما كان عليه.

أسرة السجين
وأوضح مصدر في إدارة السجون في محافظة جدة، أن المشكلات التي تتعرض لها أسرة السجين يمكن ملاحظة تشابكها وتعقيدها، وأن المشكلات الاقتصادية تأتي في مقدمة المشكلات التي تواجه أسرة السجين، وأن لها دورا في بقية المشكلات الأخرى، إلا أنه يجب ملاحظة أن هناك مشكلات أخرى تتعرض لها أسرة السجين لا تقل خطورة وتأثيرا على أسرة السجين، وبخاصة المشكلات الاجتماعية.
وأضاف: تواجه الأسرة عددا من المشكلات الاجتماعية الخطيرة التي تهدد كيانها نتيجة دخول عائلها للسجن، وذلك بدءا بالزوجة ومرورا بالأولاد، فنتيجة للظروف السيئة الطارئة للأسرة تبدأ بالإحساس بعدم تقبل المجتمع المحلي المحيط بها، وتتعاضد المشكلات المشار إليها أعلاه في زيادة الضغط والتأثير السلبي على الأسرة، مما يؤدي إلى حدوث عدد من الدوافع السلبية المؤثرة في بناء ووظيفة الأسرة، وتظهر السلوكيات المنحرفة العديدة، من أهمها؛ انحراف الزوجة أو أحد أفراد الأسرة، الخروج للعمل دون السن المناسبة وفي ظروف غير مناسبة، طلب الزوجة للطلاق، امتهان التسول، إلى غير ذلك من السلوكيات المنحرفة.

رعاية متواصلة
إبراهيم الزهراني، من رعاية السجناء وأسرهم في إدارة سجون جدة، أوضح أنه تتم رعاية مدمني المخدرات والمؤثرات العقلية داخل السجون من خلال الرعاية الطبية والنفسية التي تقدمها مستوصفات السجون، حيث يوجد في كل مستوصف طبيب نفساني يقوم بعلاج هؤلاء والإشراف عليهم بصورة مباشرة، وإذا استدعى الأمر إلى علاج ورعاية أكثر تتم إحالتهم لمستشفيات (الأمل) التي أنشئت خصيصا لعلاج ورعاية مدمني المخدرات والمؤثرات العقلية، كما تتم رعايتهم من خلال التوعية الدينية والمحاضرات التوجيهية التي يشارك فيها المرشدون والوعاظ لإشعارهم أن المخدرات من المحرمات الكبيرة التي تؤدي بصاحبها إلى التهلكة، كما يتم تزويدهم بالنشرات والإرشادات الطبية التي تبين وتوضح أضرار المخدرات على الفرد والمجتمع، وتتولى لجنه أرباب السوابق في كل إدارة سجن دراسة حالة المدمن وتقدم له النصح والتوجيه مع التحذير الشديد من العودة لتناول المخدر بعد فترة العلاج، واحتمال إيقاع عقوبة أشد إن هو عاد, كما أن اللجنة تطلب من مستشفى الأمل تزويدها بتقرير طبي يثبت عدم وجود آثار المخدر في دمه قبل الإفراج عنه.

الخوف من الاعتداء
عضو في الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في جدة أوضح أن هناك بعض الشكاوى تصل إلى جمعية حقوق الإنسان من أسر المدمنين، أغلبها بسبب الاعتداء الجسدي والخوف من تصرفات المدمن غير المسؤولة وغير المتوقعة، حسب ما تنص عليه الشكوى المقدمة منهم، وأضاف أن أكثر من يتقدم إلى الجمعية هم الزوجات، وما يدفعهن إلى ذلك الخوف من المدمن على أنفسهن وأبنائهن وغالبا ما يكون المدمن هو رب الأسرة.