طالعتنا صحف الخامس عشر من صفر الحالي بخبر مفاده أن أمانة جدة بدأت في ردم عشر بحيرات على طول الكورنيش الشمالي لإنشاء مشاريع "ترفيهية" في مكانها، وأنها بالفعل ردمت ثلاثاً من هذه البحيرات، وأن المخطط العام أوصى بردم جميع البحيرات في المنطقة من ميدان النورس شمالا حتى قرب محطة التحلية جنوبا وتحويلها إلى مناطق خضراء ضمن مشاريع عمرانية أظهرتها الصور المصاحبة للخبر. هذه المشاريع تشمل عدة عمائر كبيرة وعالية لا تختلف عن أي عمائر سكنية أو مكتبية، وتشمل برجا عاليا يشبه مركبة فضائية تقف على أرجل طويلة وتحتوي على مطعم معلق. و تقول الأمانة إنها ستنشئ نوافير مائية متحركة ( أي نوافير تصلح بعد ردم البحيرات؟) وأماكن للجلسات العائلية (أي مساحات ستبقى لهذه الجلسات؟) ومتاحف فنية (أي متاحف أحلى من البحر؟) ومراكز لليخوت والقوارب ( ألا يوجد من هذه المراكز ما يكفي؟) وشواطئ للسباحة ( أي سباحة في مياه بحيرة النورس التي تحتوي على مصب ضخم لمياه الصرف الصحي يمكن مشاهدته على الإنترنيت بواسطة Google Earth؟) وملاعب أطفال (هل ستترك الشوارع ومواقف السيارات أي مجال لهذه الملاعب؟).
من العجيب ألا تجد أمانة جدة متنفسا لمشاريعها الجديدة الغريبة الشكل غير نفس هذه المساحة الجميلة من الكورنيش التي تعتبر واجهة جدة الحقيقية. هذه المنطقة التي نعرفها جيدا لا تحتاج إلى أية مشاريع أو أي تطوير لأنه تم تخطيطها وتطويرها بعناية سابقا وربما أكثر من مرة. وكل ما تحتاجه، غالبا، هو صيانة ما هو قائم وتوسعته بإضافة مساحات جديدة مفتوحة أو مواقف للسيارات لتخفيف الزحام، وتعميق بعض البحيرات التي قد تجف في وقت الجزْر. بل إن أكثر ما تحتاجه هو إزالة المباني والمشاريع القائمة على أراض أجّرتها البلدية في الماضي والتي تحجب البحر وتضايق المتنزهين. البحيرات التي تردمها الأمانة هي جزء من التصميم الجمالي الذي قامت به شركات عالمية متخصصة وكلفت جدة ملايين الريالات. ألِفَها أهالي جدة واستمتعوا برؤيتها لسنوات وسنوات، ولا يريدون تغييرها، بل إن أكثر ما يزعجهم هو ما تم ردمه منها في السنوات الأخيرة وما ظهر مكانها من مبانٍ سببت الاختناق. البحيرات جزء من الكورنيش، تضيف إليه متسعا وتعطيه منظرا جماليا رائعا وتزيد من أماكن الجلسات التي يحتاجها المواطنون لرؤية البحر والاستمتاع به.
أحد مندوبي الأمانة اتخذ ذريعة "واهية" لردم البحيرات وهي أنها مصدر للرائحة الكريهة. أنا شخصيا لم أشعر بصدور أي رائحة من بحيرات الكورنيش رغم زيارتي لها باستمرار. وأقول لهذا المندوب أين أنت والأمانة من الروائح النتنة في شوارع كثير من أحيائنا التي تفيض بمياه الصرف الصحي صباح مساء؟ لو صدرت أي رائحة من البحيرات فلا بد أن مصدرها من مخارج الصرف من أحد المشاريع المخالفة أو من شبكة تصريف الأمطار التي تحولت في واقع الأمر إلى شبكة صرف صحي تصب في البحر، وكان الأولى بالأمانة أن تركز جهودها على إيقاف هذا الصرف المخجل.
يا أمانة مدينة جدة، لم يبق لسكان جدة غير مساحات قليلة متبقية من الكورنيش يتزاحم فيها الناس أيام الخميس والجمعة مثل الساردين، ولم يشتكِ أحد من نقص المشاريع في هذه المساحات بل اشتكوا من كثرتها، فهل كثير عليكِ أن تتركي لهم هذه المساحات وشأنها، وأن تنشئي مشاريعك "الباهرة" في مناطق تحتاج فعلا إلى التحسين والتطوير؟
كورنيش جدة أصبح محدود المساحة تماما، وهناك مشاريع خاصة عملاقة ستبنى قريبا أو تكتمل على الجانب الشرقي منه والأولى أن تحسب الأمانة بدقة احتياجات هذه المشاريع من شوارع وخدمات، لا أن تضيف مشاريع جديدة تزيد الكورنيش ازدحاما.
إذا كانت الأمانة جادة في إضافة مساحات ترفيهية خضراء فلتبحث عن المكان المناسب في المنطقة القريبة من الكورنيش لا أن تأخذ من فسحاته وبحيراته. إن الادعاء بأن ردم البحيرات سيضيف مساحات ترفيهية إلى الكورنيش هو استهزاء بعقولنا. والصحيح هو أن ردم البحيرات هو لتوليد مساحات يمكن تأجيرها مقابل مردود مالي إضافي لأمانة جدة، وهو ما يتنافى مع مصلحة المواطنين الذين بالكاد يجدون موطئ قدم على ساحل مدينتهم في أيام الإجازات والعطلات.
هل تم عمل تقييم بيئي وجمالي لردم البحيرات و المشاريع التي ستقام عليها؟ ما تأثير هذه المشاريع على حركة السير في الكورنيش، وعلى توفر المواقف للمتنزهين؟ هل من الحكمة إنشاء نوافير تبث الماء الملوث مع نسيم البحر الذي يأتي المتنزهون لاستنشاقه؟ أين المجلس البلدي من هذه المشاريع؟ إنني أكرر على لسان كثيرين من سكان جدة وزوارها: لا.. للبناء على المساحات العامة المفتوحة في الكورنيش. لا.. لتحويل الواجهة البحرية إلى شوارع مزدحمة بالمباني العالية التي تخنق الساحل والمشاريع التي تمنع وصول المتنزهين إلى البحر وتستنزف جيوبهم. لا.. لإهدار الميزانية على مشاريع لا حاجة لها. لا..لإزالة أو تغيير ملامح جدة الجمالية كل يوم. لا.. لهدم ما بنته الأمانات السابقة وما ألفناه وارتحنا له. وأخيرا لا.. ثم لا.. لردم بحيرات الكورنيش الجميلة.
للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 133 مسافة ثم الرسالة
لا.. لردم بحيرات الكورنيش
17 فبراير 2009 - 19:37
|
آخر تحديث 17 فبراير 2009 - 19:37
تابع قناة عكاظ على الواتساب