في وقت سجلت منطقتا الرياض ومكة المكرمة أكثر حالات هروب الفتيات، تتجه وزارتا الداخلية والشؤون الاجتماعية وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لدراسة المشكلة، للتعرف إلى حقيقة انتشارها، خاصة أن الإحصائيات تشير إلى أن العدد لا يقل عن ثلاثة آلاف فتاة حتى العام الماضي (2007م). وفيما حذرت دراسة من الهروب بصفة عامة باعتباره بداية الطريق إلى الانحراف وارتكاب الجرائم، أشارت أخرى إلى انه ليس بالضرورة أن تهرب الفتاة من منزلها بقصد إيجاد علاقات غير شريفة، إلا أنها قد تكون عرضة لهذه العلاقات المشبوهة بعد هروبها نتيجة ضغوط داخل الأسرة. وإذا كانت المشكلة تتنامى يوما بعد يوم، فما الذي يدفع الفتيات إلى الهروب، وهل تهرب الفتاة إلى الفضيحة، أم أن تمسك الأسرة بفتاة دون أي رابط اجتماعي أو نفسي يعد فضيحة أخرى.
الإحصائيات
يشكك بعض الباحثين الاجتماعيين في دقة الأرقام والإحصائيات الموجودة في أي بلد عربي والمتعلقة بحقيقة هروب الفتيات، وحجم الأفعال المخلة بالأخلاق والآداب العامة التي ترتكب، فهناك فتاة دفعها العنف الأسري إلى الهروب مع شاب يسكن في المنزل المقابل بعد أن أمطرها بكلماته المعسولة، وظنت أنها ستجد على يديه الخلاص ولكنها أفاقت ووجدت نفسها في قبضة ذئب يرغب في استغلالها، فتاة أخرى عانت من تحرش أخيها بها وعندما عرف الأب لم يكترث وكذبها فهربت من المنزل ولجأت إلى صديقة لها تتعاطى المخدرات وكانت نهايتها دار الرعاية، وثالثة أدمنت الهروب على مدى أربعة أعوام وفي كل مرة يتم القبض عليها وإعادتها إلى أسرتها تهرب من جديد، كلها نماذج من حالات هروب الفتيات التي تعد ظاهرة قائمة في المجتمعات العربية ودخيلة على مجتمع ملتزم كمجتمعنا.
زواج عرفي
أبو ماجد، مقيم عربي يعمل في المملكة، تلقى ذات يوم اتصالا مزعجا من بلده، أخبروه أن ابنته هربت من البيت وتزوجت زميلا لها في العمل زواجا عرفيا، لم يصدق في البداية أن تقدم ابنته على هذا العمل المشين الذي نكس رأسه في الأرض، سافر إلى بلاده وتكاتف جميع أفراد العائلة للعثور على الفتاة لمداراة (الفضيحة) دون تدخل الشرطة، وعثر عليها في إحدى الشقق المفروشة، عندها لم يتمالك نفسه (حسب قوله) فانهال عليها ضربا مبرحا سيترك آثاره على جسدها مدى الحياة ليذكرها بفعلتها المشينة، وكادت تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت يديه، لولا أقاربه الذين نزعوها من تحته، ليعلن بعدها زواجها رسميا وفي المحكمة وأوهم الجميع أنه زواج جديد، وأقام حفل زفاف وجهز الشقة للعروسين، وكل تلك التكاليف كانت على نفقته الخاصة.
ضحية الانفصال
قصة أخرى لفتاة في العقد الثاني من العمر، عاشت مع جدتها الكبيرة في السن والمتشددة في المعاملة عقب انفصال والديها وزواجهما، فقررت عدم عودتها إلى البيت، واتفقت مع إحدى صديقاتها على الهرب مع بعض الشباب، وبعد فترة وجيزة أصبحت القصة معروفة على كل لسان، وبعد مرور شهر ألقي القبض عليها وصديقتها برفقة مجموعة من الشباب وأودعت في دار الرعاية.
معاملة قاسية
أما أمل فترمي بأسباب هروبها على زوجة الأب ومعاملتها القاسية، وانعكس عدم حبها لها في إبعاد والدها عنها حتى أنه لا يسأل إن غابت عن المنزل أو باتت خارجه، ولا يعرف شيئا عن حالها وإخوتها، عندها أصبحت تكره البيت، وذهبت في طريق الانحراف علها تنسى الألم. (حسب قولها).
تشدد الأسرة
فتاة أخرى تهرب من أسرتها منذ أكثر من ثلاث سنوات، وفي كل مرة تعاد لأسرتها تهرب مجددا، والسبب كما تدعي وجود مشاكل أخلاقية من الأم، فيما والدها مسن، فأدمنت الفتاة الهروب بل ووجدت فيه ملاذا من المشكلات التي تراها في الأسرة مثل سوء المعاملة.
الصرامة والإفراط
وترى المستشارة النفسية والاجتماعية بكلية دار الحكمة الدكتورة فوزية اشماخ أن عدة أسباب تقف وراء هروب الفتيات، أهمها التفكك الأسري وانهيار الأسرة من خلال سوء معاملة الآباء أو الأبناء، سواء بالتدليل الزائد أو العنف أو عدم المساواة بين الأبناء، وانعدام التواصل بين أفراد الأسرة الواحدة وبين الأسرة والفتاة بسبب المشاكل الأسرية، التربية الصارمة التي ينتهجها كل من الوالدين أو أحدهما كالاعتداء اللفظي بكثرة التوبيخ أو البدني بالضرب، ومن الأسباب أيضاً رفيقات السوء، الأمر الذي يدعو إلى أهمية الاعتدال في التربية، وعدم التفرقة بين الأبناء.
وأوضحت أن أهم منطلق في موضوع التربية والتنشئة السوية دور الأسرة، خصوصا الأم، التي تستطيع أكثر من غيرها تربية الأبناء على الانضباط والالتزام، مشيرة إلى وجود حالة من تراخي الوعي والإرادة التي تسود بعض المجتمعات، والتراخي - بحد ذاته- يعتبر ظاهرة مقلقة فلابد من حلول جذرية، وهذه المشكلة لا يمكن حلها بالوعظ والإرشاد كما أنها لا تحل بالنظم والقوانين، فالمطلوب تصحيح الوعي عند الجيل المسؤول (الآباء).
الحياة الحالمة
وأبانت اشماخ أن بعض الفتيات يعشن حياة حالمة إلى أن تصطدم بالمجتمع البعيد عما تحلم به، وتكون النتيجة إما أن تعيش في عزلة على ذاتها أو تنجرف بأشكال مختلفة من الهروب النفسي، ويحدث ذلك عندما تكون العلاقة بين الفتاة وأسرتها غير متوافقة لعدة أسباب منها تدني المستوى التعليمي لدى الأسرة وسيادة التفكير القائل إن الفتاة لها دور معين لا يجوز تجاوزه، في حين تكشف وسائل الإعلام واقع مجتمعات أخرى تقوم فيها الفتاة بأدوار مختلفة سواء كانت إيجابية أو سلبية، مما يدفع الفتاة إلى التمرد.
كبت عاطفي
وترفض الأخصائية الاجتماعية سميه راشد تجاهل ما تعانيه كثير من الفتيات الهاربات من مشاكل نفسية وكبت عاطفي، وقد يلجأن لعلاقات خاطئة لإشباع هذا الكبت أو للانتقام من أسرهن لما تفرضه من سيطرة ذكورية عليهن، فلا يجدن الحنان في منازلهن بل يعانين من العنف الأسري، كما لا يجدن العطف في مدارسهن فيبحثن عنه خارجها وينخدعن بالكلام المعسول والوعود الواهية.
تربية خاطئة
وتدعو إلى إعطاء الفتيات فرصة التعبير عن مشاعرهن، واتخاذ خطوة إيجابية لاتخاذ القرار، كما يجب إنشاء مراكز لعلاج التفكك الأسري، والتواصل مع الآباء والأمهات وتعريفهم بأساليب التربية الحديثة، فالطريقة التي تربوا عليها لا تصلح مع أبنائهم، وإنشاء مؤسسات تحمي الفتيات من العنف الأسري، خاصة في حالة طلاق الوالدين وزواجهما مرة أخرى أو عند وفاة أحدهما، مشيرة إلى احتمال تحول الهروب إلى انتحار بما يعتريه من شعور بالاكتئاب النفسي الشديد خاصة في حالة الفتاة الهاربة، حيث تجد في الانتحار وسيلة للتخلص من الاضطرابات النفسية.
استيعاب الأبناء
وحسب محاضر الشرطة؛ فإن من أهم أسباب هروب الفتيات قلة الوازع الديني والبعد عن الله، الضغوط الأسرية والمنزلية على الفتيات والأبناء مما يوصلهم إلى هذه المرحلة، رفض الأهل لزواج الفتاه أو وجود مشاكل في الأسرة، الظروف الاقتصادية، وسائل الإعلام ممثلة في الفضائيات التي تقدم نماذج للحرية في مجتمع الشابات مما يحفزهن على الهروب.
وتشير الأرقام إلى أنه تتراوح أعمار معظم الفتيات الهاربات بين عمر 18 إلى 24 سنة.
التقليد الأعمى
وأشارت دراسة صادرة عن مستشفى الأمل للصحة النفسية إلى أن أسباب ودوافع هروب الفتيات مختلفة وكثيرة أبرزها التفكك الأسري ومثاله إحدى نزيلات المستشفى التائبات من الإدمان، وكان البداية في انفصال والديها ومكوثها عند جدتها المُسّنة، فأجبرها والدها على الزواج من صديقه رغم أن عمرها 14عاماً، فهربت منه إلى إحدى صديقاتها التي استغلتها لتهريب المخدرات، ثم زواجها مرّة أخرى بأحد المتعاطين.
وتضيف الدراسة أن الدوافع تشمل صديقات السوء، التقليد الأعمى لوسائل الإعلام التي تعرض المسلسلات الأجنبية التي لا تتفق مع تعاليم ديننا، حيث تزين لهنّ الحرية والانطلاق للعالم الخارجي دون قيود، هامشية دور المشرفة الاجتماعية، التدليل الزائد، غياب الرقابة المنزلية.
ممارسات متسلطة
وتحدد الدراسة أبرز الحلول ومنها كف الممارسات الذكورية المتسلطة على الفتاة من قبل إخوانها وأحياناً والدها، و اقتراب الأم من ابنتها برفق وجمعها بين اللين والحزم مع المراقبة بطريق غير مباشر، مراعاة التركيبة النفسية والهرمونية للفتاة، خاصة في فترة الامتحانات والدورة الشهرية، وتوعية الأسرة بأساليب التربية السليمة، وتفعيل دور الأخصائية الاجتماعية في المدارس، كذلك دور الإعلام الهادف في محاربة المخدرات والمعاكسات الهاتفية.
دراسة أساليب الإغراء
بادرت الرئاسة العامة لهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في إجراء دراسة ظاهرة هروب الفتيات بالتعاون مع جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، بتكلفة 884300 ريال.
واتخذت الهيئة في الدراسة المسار العلمي ودراسة الظواهر الأمنية في المملكة، واستهدفت التعرف على أسباب المشكلة والبواعث، وأساليب الشباب في إغراء الفتيات للخروج من منازلهن، وأسباب الاستجابة، والوقوف على أساليب جديدة، بالإضافة إلى تجارب ناجحة لبعض الدول المجاورة في معالجة المشكلة وتقديمها في قالب يتواءم مع طبيعة المجتمع.
وتعتزم الهيئة من خلال الدراسة التي وزعت خلالها 2500 استبانة من خلال المناطق الرئيسية الرياض والشرقية والغربية، طرح أساليب لمساعدة الهاربات من أجل عودتهن الطبيعية، مع بحث آلية تعاون بين الجهات المختصة.
انهيار البيت الكبير
وحذر مدير الشؤون الاجتماعية بمنطقة مكة المكرمة سابقا، إحسان طيب من تفشي مشكلة اختفاء الفتيات عن بيوت أسرهن، وعزا ذلك لأسباب عديدة أهمها غياب الأسرة عن رقابة الأبناء، خاصة مع انهيار البيت الكبير الذي لم يعد له وجود هذه الأيام والذي كان مظلة لكثير من الأسر كادت أن تهدم لولا وجود رب الأسرة الكبير، ففي الوقت الراهن بات الأبناء أو البنت تبحث عن أمها وأبيها اللذين انشغلا في أمورهما الخاصة، ونسيا أن أهم واجباتهما رعاية أبنائهما.
ليست ظاهرة
ورفض وكيل وزارة الشؤون الاجتماعية الدكتور عوض الردادي وصف هروب الفتيات بـ(الظاهرة)، موضحا أن عدد الفتيات اللواتي يهربن من منازل أسرهن قليل إذا قيس بالزيادة الكبيرة في عدد السكان، كما أن المتوسط الشهري للحالات المستقبلة في مراكز الإيواء في الرياض والأحساء ومكة وأبها غير ثابت والبعض منهن غير سعوديات.
وبين أن أسباب الهروب نتيجة التغيرات الاجتماعية والثقافية التي تشهدها المجتمعات الخليجية عموما والمجتمع السعودي خصوصا، عدم فهم الأسرة لحاجات الفتاة من العطف والحب والانتماء والتفكير في المستقبل بالنسبة للفتاة، وأن كثيرا من الأسر تضع العراقيل والصعوبات التي تمنع إتمام مشروع تزويج الفتاة مما يجعلها تبحث عن وسائل أخرى ويدفعها للهروب من المنزل، وكذلك انعدام التواصل العاطفي بين أفراد الأسرة مما يؤدي بالفتاة إلى التفكير بالمناخ العاطفي خارج المنزل.
ورفض تعميم الربط بين هروب الفتيات وغرض إيجاد علاقات غير شرعية مع شاب، وقال قد تهرب نتيجة ضغوط داخل الأسرة، وبالتالي يجعلها عرضة لهذه العلاقة المشبوهة، خاصة أن الأسباب الجوهرية وراء هروب الفتيات ضعف الرقابة الأسرية على الفتاة.
وأوضح أن منطقتي الرياض ومكة المكرمة سجلتا أكثر حالات هروب الفتيات.
ثلاثة آلاف فتاة يخلعن أسرهن
هاربات إلى الفضيحة
30 أكتوبر 2008 - 18:55
|
آخر تحديث 30 أكتوبر 2008 - 18:55
تابع قناة عكاظ على الواتساب
عبدالرحمن الختارش ـ جدة تصوير: أحمد بابكير