يعمد كثير من المسلمين والمسلمات إلى تلاوة كتاب الله العزيز الحكيم في شهر رمضان المبارك على وجه الخصوص ويستمتعون ببركاته وما يضفي عليهم من سرور وسعادة وراحة نفسية بما يحوية من الآي والذكر الحكيم.. وقد نجد البعض يتبارى أو يتباهى بأن يختم المصحف أكثر من مرة في الشهر الكريم.. ولكننا نتساءل أين أثر هذه التلاوة على المسلمين؟!
لقد روي عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات من القرآن فهموها وحفظوها وعملوا بمقتضاها.. وسارعوا وتسابقوا في ذلك بينما المسلم اليوم يتلو القرآن وكأنه ليس معنيّاً به.. وقد روي عن الشاعر المسلم محمد إقبال أنه كان يقرأ القرآن وهو طفل في مراحل حياته الأولى ويمر عليه والده وهو يقرأ فيسأله هل تقرأ القرآن يا بني؟! فيقول نعم يا أبي.. وكان أطفال ذلك الزمان مؤدبين مع آبائهم فلم يسارع بالقول إنك تراني أقرأ فما معنى هذا السؤال؟ حتى مر على هذه الحالة عدة أيام!! فسأل والده يا أبي إنك تراني أقرأ القرآن وأنت تكرر عليّ السؤال هل تقرأ القرآن؟! قال إي بني إنك لا تكون قد قرأت القرآن إلا إذا تصورت وتمثلت واعتقدت أنك مطالب بما جاء فيه كما كان الصحابة رضوان الله عليهم مطالبين بما جاء فيه!!
عندما نزلت آية (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) جاء أبوطلحة رضي الله عنه للرسول صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن الله سبحانه وتعالى يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) (آل عمران/ 92) وإن أحب مالي إليّ بيرحاء فضعها يا رسول الله حيث تشاء «بستان بالقرب من المسجد النبوي كان يأتيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويشرب من ماء عذب فيه».. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ.. بخ.. وأرى أن تضعها في الأقربين..
وجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال إن أحب مالي إليّ سهمي في خيبر ووضعها في سبيل الله.. وكان لعبدالله ابن عمر رضي الله عنهما جارية هي أحب ماله إليه فأعتقها.
كم منا يفكر أو يحاول أن ينفق مما يحب ويسعى إلى تحقيق معنى الآية في حياته؟.
وقالت عائشة رضي الله عنها رحم الله نساء الأنصار عندما نزلت آية الحجاب، وهن بالمسجد شققن مروطهن وتسفعن بها) لم ينتظرن حتى يعدن إلى بيوتهن ويخترن ما يتناسب ويمليه عليهن الشكل والمنظر والموضات الحديثة.
ويوم أن نزلت آيات تحريم الخمر سارع الصحابة إلى إهراقها حتى جرت في سكك المدينة المنورة.
تزخر الآيات والأحاديث بما لا يستوعبه مقال مختصر كهذا عن كيفية تفاعل الصحابة رضوان الله عليهم مع الأوامر الربانية وكيفية اجتهادهم رجالاً ونساءً في المسارعة إلى تطبيقها في أروع مثل عرفته البشرية على مر التاريخ والأجيال.
أما اليوم فرب قارئ للقرآن والقرآن يلعنه (ألا لعنة الله على الظالمين) ورب قارئ للقرآن وهو يحكم على نفسه بالخير أو الشر... بالجنة أو النار ولننظر إلى آية الاستبدال في سورة المائدة حيث يقول الله جلّ وعلا (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله و لا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتولى الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) (المائدة، الآيات 53، 54، 55، 56) هذه الآية موجهة للمؤمنين لا لغيرهم وهي تحصر الولاية في الله ورسوله والذين آمنوا (إنما) فأين نحن من هذه الآية وأين حالنا منها وأين تطبيقنا لها لنكون حزب الله الغالب؟!
إنني أناشد نفسي وإخواني المسلمين والمسلمات أن نحاول فيما تبقى من أيام ولحظات في هذا الشهر المبارك أن نقرأ القرآن بهذا التصور! نقرأ لنعمل بما أمر به وننتهي عما نهى عنه وهذا قد لا يكون بالأمر السهل ويحتاج إلى المجاهدة والمران والاستعانة بالدعاء والله سبحانه وتعالى يقول (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) (العنكبوت/ 69) ويوم نصل إلى تلاوة بهذا المعنى سيتغير حال الأمة الإسلامية بإذن الله تعالى فالقرآن هو القرآن الذي رفع الأجيال الأولى إلى أعلى مصاف الأمم الراقية خلفاً ورفعة وحضارة وعلى كل الأصعدة وما أن ينهج أبناء هذه الأمة نهج سلفها في الإيمان بمتشابه القرآن والعمل بمحكمه إلا وستصلح حالهم ويعودوا إلى قيادة البشرية وهدايتها إلى دين الله من جديد... وفوق ذلك كله مرضاة الله وسعادة الدارين وشفاعة القرآن العظيم.
أما أن يبقى القرآن الكريم لتزيين الحوائط أو ليعلق على الصدور أو يحفظ على الرفوف فسيكون شاهداً علينا لا لنا! فهل نخرج من هذا الشهر الكريم بمكسب عظيم جليل يغير بإذن الله وجه التاريخ ونقرأ القرآن ونتلوه حق تلاوته (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون)؟! إنه تحد فما أسعد حظ من قبله وعمل له.