لا شك أن المسلم يشعر براحة نفسية عظيمة إذا صام وامتنع عن المباحات وعانى من العطش والجوع... ولكن هل المقصود من الصيام شعور الإنسان بالراحة النفسية فقط..؟ لقد انتهت الآية الأولى التي تبين فرض الصيام على المسلمين كما فرض على الذين من قبلهم بقوله سبحانه وتعالى: (لعلكم تتقون) وانتهت آيات الصيام في السورة نفسها بقوله سبحانه وتعالى: (كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون) (187) فحدد الله بذلك الهدف الرئيس من الصوم وهو تحقق (التقوى) وزيادتها ونموها كأنما يكون شهر رمضان المبارك المدرسة التي تهيئ المسلم الذي يمتنع عن الحلال من أجل ربه ليكون أقدر على ترك ما هو محرم عليه وليكون ترك الحرام أيسر عليه... ولكن الملاحظ اليوم في حياة المسلمين أو لنقل عند غالبية المسلمين أن الصيام لم يعد يمنعهم من إتيان كثير من المعاصي وهم يصومون.. فقد ترى الصائم يمارس الربا وهو صائم وقد تراه ينظر إلى الحرام وهو صائم وقد تجده يأكل أموال الناس بالباطل وهو صائم، والله سبحانه وتعالى يقول بعد آيات الصيام مباشرة في سورة البقرة (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون..) (188).
وما أعجب أن يصوم الصائم وهو لا يصلي أو يضيع الصلاة أو يتلهى عنها بملهيات.. وما أدهش أن يبرر الناس سوء خلقهم وسرعة غضبهم وتلفظهم بما لا يليق لأنهم صائمون فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه». (رواه البخاري).
من هذا العرض يتضح لنا أن معظم الناس أصبحوا يكتفون بمظاهر العبادات لا بجوهرها.. والله جعل للعبادات جوهراً ومظهراً.. يقول الله سبحانه جل وعلا (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) فهل تنهانا صلاتنا اليوم عن الفحشاء والمنكر والبغي وغير ذلك من المعاصي؟!!
وفي الهدي بالحج يقول الرحمن الرحيم: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخّرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين) (الحج/37).. فكم من معاود للحج والعمرة مرات ومرات.. يجد لذة عظيمة وراحة نفسية كبيرة إلا أن تكرار الحج والعمرة لا يكون لهما أكبر الأثر في مسارعته في الخيرات وامتناعه عن المحرمات.
التحدي الذي يواجه مسلم اليوم هو كيف يستطيع أن يجعل هذه العبادات التي تسعدنا وتحسن مظهرنا أمام الناس مدعاة لتقوى الله في كل جوانب الحياة وأن نربط بين جوهرها ومظهرها.. كما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» رواه مسلم، أما أن يصلي المسلم ويصوم ويحج.. ولكنه قد لا يتقي الله في أقرب الناس إليه والديه وزوجه وولده ولا يراعي الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تحرم الظلم وتنهى عن كل الفواحش وتحث على المحبة والأخوة ونصرة الإسلام والمسلمين إذا لم تكن هذه العبادات وحدة متكاملة مع العقيدة الناصعة والأخلاق الحميدة والمعاملات النيرة.. فقد لا ينال منها العبد إلا التعب والنصب!
إذا استطعنا أن نجعل من شهرنا الكريم الذي تتسارع أيامه وتنصرم سريعاً لياليه شهراً يزيدنا قرباً من الله وبعداً عن كل ما يغضبه فقد حققنا بإذن الله هدف الصيام.. أما أن يكون الصيام في جانب والعبادات الأخرى والأخلاق والمعاملات ونصرة الله ورسوله والمسلمين والمسلمات في جانب.. فلنحذر من قوله جل في علاه (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون) (البقرة/ 85) وهو ما يعكس حال الأمة الإسلامية في هذه الأيام وشهادة على أن الصيام لم يعد له ذلك الأثر الكبير في حياة الأمة.
فهل نقبل التحدي ونحاول جهدنا وبعزيمة وإصرار أن نوجد اللحمة بين جوهر العبادات ومظهرها ونأخذ الدين كله بعزائمه ورخصه لتنعكس آثار ذلك على جوانب حياتنا كلها وترتقي بالمسلم والمسلمة إلى أرقى مدارج الحياة وتسمو بهما إلى أعلى درجات الكمال وقبل ذلك كله إلى رضا الله وسعادة الدارين.
التحدي في علاقة الصوم بالعبادات والمعاملات والأخلاق
12 سبتمبر 2008 - 21:06
|
آخر تحديث 12 سبتمبر 2008 - 21:06
تابع قناة عكاظ على الواتساب