قرأت للأستاذ عبده خال ما كتبه عن دوائر الزمن، وكيف أن الاستدارة نظام كوني مارسه الإنسان بوعي أو بدون وعي لخلفيته العلمية، فقررت أن أستعير عنوانه. ورغم التفاؤل الذي وشى به المقال إلا أنه اختتمه بمفارقة ساخرة، كوننا منذ أربعة عشر قرنا نعيش ضمن هذا النظام دون أن نشعر به وبمعناه. وهذا الجهل الذي حكم به المقال علينا لا يلغي تفوق العلماء المسلمين القدماء في الرياضيات، كما أنه ليس موضع النقاش هنا، لكن الجهل المركب الذي يشبه ما سخر منه الأستاذ عبده هو ما يحدث منذ أكثر من عشر سنوات في موسم التسجيل للجامعات. ففي كل عام نعيش الأزمة نفسها، ونكرر الأخطاء نفسها، ولا يتغير في السيناريو إلا التبعات، فهي في كل عام تتضاعف، فيزيد عدد الشباب المتبطلين بلا شيء يشغلهم، لا دراسة ولا عمل ولا زواج. قنابل موقوتة في كل بيت، بعضها يتفجر يوميا على أرصفة الشوارع في مسلسلات من الانحراف والضياع، وبعضها محكوم برقابة وكبت سواء كان خارجيا من الأهل أو داخليا من ضمير وحياء فطري، وهو لا يستطيع أن ينفس عنهما إلا بإراقة حياته بالانتحار على أعتاب نفق مظلم من الضياع لا يوجد في آخره أدنى بصيص من نور، تشهد بذلك معدلات الانتحار المرتفعة بين الشباب في السنوات الأخيرة.
الشكوى المتكررة كانت ولا زالت ضيق الجامعات عن استيعاب أعداد الطلاب المتزايدة كل عام، وهي مشكلة كان يمكن أن تكون ضارة نافعة، فهي يمكن أن تحل بفتح فصول مسائية، وهذه الفصول ستحل أزمة بطالة بتوظيف الكثير من خريجي الجامعات وابتعاثهم داخليا وخارجيا لسد الحاجة للتدريس في الفصول المسائية، ومعهم طواقم إدارية وما يلزم لتشغيل الجامعات مساء، فنصيد عصفورين بحجر واحد.
لكن ضيق الجامعات لم يعد الشكوى الوحيدة اليوم، فقد نشأ عن تلك الأزمة ظاهرة أجد نفسي محتارة في التعليق عليها، فقد ازداد التنافس بين الطلبة لتحقيق معدلات عالية جدا بأعداد كبيرة، ويفترض أن يكون هذا أمرا مبشرا بخير كثير، لكنه للأسف الشديد يعني مشكلة جديدة تتمثل في صعوبة الاختيار والترشيح بين المتقدمين ذوي المعدلات العالية، فتم تفعيل اختبار القدرات، الذي لم يعد كافيا بدوره فأضيف إليه الاختبار التحصيلي، وهنا كان للاضطراب الإداري المساحة الكبرى للضرب على وتر الأزمة. ففي ظل هذا الازدحام بين معدلات متقاربة، يحصل ارتباك وخلخلة في أوقات كثيرة لمعايير الترشيح، وعلى الرغم من أن وزارة التعليم العالي وضعت حلولا للأزمة مثل الابتعاث الخارجي والداخلي، إلا أن هذا الارتباك الإداري لا يترك مجالا للحلول لأن تأخذ مجراها، وهذا ما يجعل الطلبة وأولياء أمورهم في تذمر يصاعد حدته ما يحدث من جور بحق فرص أبنائهم في وضع أقدامهم على أول خطوة للمستقبل. ومن الغريب أن تجد الأجهزة الإدارية في الجامعات تكاد تحتفل حين يتسبب الطالب أو ولي أمره بخطأ ما، وكأنها تتخلص من حمل ثقيل من على أكتافها، ظنا منها أن هذا يعفيها من مسلسلات الأخطاء التي ترتكب سنويا. هذا مع كون أخطاء الطلاب أثناء التسجيل هي جزء من مسؤولية الجامعات، فهي لا توفر وسائل إرشاد كافية للمسجلين، وحتى مع استعمال الانترنت الذي يسر أمور التواصل وفك الازدحام، ظلت قنوات التواصل سواء المعلومات الإرشادية أو الترشيح مفتقرة للمصداقية والوثوقية، فهي قابلة للأخطاء وأقولها احترازا من قصد (التلاعب).
وهذا ما حدث مع الطالبة التي راسلتني مسمية نفسها بـ«أمل»، وعنونت رسالتها بـ«سنوات الضياع»، وهي تشرح ما تمر به من أزمة حقيقية تهدد مستقبلها، فقد اجتهدت كثيرا لتحقق حلمها بأن تدرس الطب، لكن حلمها قوبل بالرفض من قبل جامعة الملك فيصل حيث تقيم في الشرقية، فقد أخطأت في زحمة ملء الاستمارات واختارت العلوم الطبية، وحين حاول والدها تصحيح الخطأ قوبل طلبه بالرفض القاطع، وحين تقدمت في العام التالي كانت الأولوية لخريجات العام،ورفض طلبها من جامعة الملك سعود لكونها لا تسكن في الرياض. ثم كادت أن تفرح وتقر عينها بترشيحها لجامعة المنصورة ضمن منح الابتعاث الخارجي، لكنها فوجئت بأن اسمها لم يكن في قائمة المقبولين، مع أنها تقول إنها تعرف خريجات قبلن بنسب ونتائج اختبار قدرات أقل منها بكثير، وقد أرفقت بالرسالة وثائق تثبت دعواها، من زميلات لها قبلن بنسخ صفحاتهن من موقع الوزارة. مستقبل هذه الفتاة وضع كله على كبسة زر من أزرة الكومبيوتر، وهي تحتاج لتجاوب من شخص مسؤول يتقدم بكرم للنظر في مشكلتها.
هذه الفرص الضئيلة التي يتيحها التعليم العالي في مستقبل جميل موضوعة بين أيديكم أيها المعنيون.
أما «أمل» فليس لنا إلا أن نأمل وندعو الله لها أن تنالها بركة هذا الشهر وييسر أمورها وأمورنا جميعاً.


للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 103 مسافة ثم الرسالة