جولة: سلطان الحمزي
وأنا في حمئة البحث عن معلومات تاريخية تفسر ما رأيته من كم هائل من الآثار التاريخية في تلك الجزيرة القابعة في البحر الأحمر، لم أجد ما يشبع نهم الصحفي ويجيب على الأسئلة التي تثيرها تلك الآثار بأشكالها ومواقعها ورموزها حتى وقعت على مقال منسوب الى الدكتور محمد حمد خليص الحربي تحدث فيه عن طريق الحرير . ما يعنينا فيه حديثه عن " الفرع الآخر لطريق الحرير البحري " حيث عرفه بأنه (الفرع الذي يصعد البحر الأحمر حتى يصل إلى مصر وحوض البحر الأبيض المتوسط، وهنا نجد أيضا أن الممالك العربية التي نشأت في جنوب الجزيرة العربية وفي الشمال على امتداد الطرق البرية المحاذية لسواحل البحر الأحمر فرضت سيطرتها على الملاحة وعلى تجارة الشرق السائرة في البحر الأحمر وساعدهم في ذلك خطورة الملاحة في هذا البحر نتيجة لكثرة الشعاب المرجانية فيه وما يتطلبه من خبرة بالممرات المائية العميقة ومداخل موانيه ومخارجها وهي معلومات حرصوا على الاحتفاظ بها لأنفسهم) وأضاف: خلال القرن الأول قبل الميلاد ازدهرت تجارة الشرق المارة عبر الموانئ اليمنية والعمانية، وأنشأ أحد ملوك شبوة الذي فرض سيطرته على جنوب عمان ميناء في منطقة ظفار عرف باسم سمهرم سرعان ما أخذت تؤمه السفن المتجهة إلى الشرق. وتصف كتابات الرحالة اليونانيين الذين زاروا المنطقة في تلك الفترة نشاط حركة التجارة في موانئ البحر الأحمر الجنوبية والشمالية، فعن ميناء Muza وهو ميناء المخا يذكر صاحب كتاب الطواف حول البحر الارتيري أنه وجده مزدحما بالمراكب وأصحاب السفن والملاحين العرب والناس فيه في شغل شاغل بأمور التجارة وهي تابعة للملك الحميري كربئيل. وفي شمال البحر الأحمر شاركت ممالك ديدان ولحيان في التجارة البحرية المارة بموانئهم، ويصف سترابون الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد تجارة حلفائهم الأنباط وهم المسيطرون على عدد من موانئ شمال البحر الأحمر مثل لوكي كوفي (ميناء الخريبة الواقع شمال ضباء ) واكرا كومي (مرسى كركمه الواقع جنوب الوجه) ويذكر أن سلع التجارة تنقل من لوكي كومي إلى البتراء ومنها إلى فينيقيه ومنها إلى أمم أخرى، ويصف النبطيون بأنهم قوم حرصاء مولعون بجمع الثروة وأن البضائع التي يتاجرون بها بعضها مستجلب استجلابا كليا وبعضها ليس مستجلبا كله ويقدم قائمة بالسلع المستجلبة شملت بالإضافة إلى أشياء أخرى الثياب الأرجوانية والأصطرك والزعفران والقرفة والتماثيل والصور والقطع المنحوتة، ويحتمل أن بعض سلع هذه القائمة مستورد من الشرق. على أن السيطرة على تجارة الشرق العابرة للبحر الأحمر لم تكن للعرب على الدوام في القرون السابقة للميلاد فقد جرتهم منافع هذه التجارة وجرت بلادهم إلى حلبة الصراع والتنافس الدولي وادخلتهم في مواجهة مباشرة مع القوى الأوروبية القابعة في حوض البحر الأبيض، اليونان ثم مع حلفائهم الرومان ثم البيزنطيين فلم يكن الحال في البحر الأحمر بأفضل مما كان عليه في الخليج العربي، فما أن سيطر اليونانيون على المناطق المحيطة بالجزيرة العربية في مصر والشام والعراق حتى سارعوا إلى فرض سيطرتهم الكاملة على طريق الحرير البحري ولم يكن يضايقهم في ذلك إلا التجار والملاحون العرب. وفي عهد خلفاء الاسكندر المقدوني في مصر عمل البطالمة على إعادة القناة القديمة التي كانت تربط بين النيل والبحر المتوسط والبحر الأحمر فأمر بطليموس الثاني 185-146 ق م بإعادتها وسير السفن البحرية من مصر إلى الهند) إلى أن قال: (ولحماية تجارة الشرق المحمولة على سفنهم أسكن البطالمة جاليات يونانية في بعض موانئ البحر الأحمر وأطلقوا أسماء يونانية على مستوطناتهم ومنها ميناء امبلوني الذي كان يعتقد وقوعه في ميناء الوجه بشمال غرب المملكة، غير أن الأبحاث الأثرية التي أجريت في سواحل البحر الأحمر أثبتت أن أمبلوني تقع في جزيرة فرسان حيث يوجد بالفعل في الجزيرة بقايا مبنى يوناني الطراز ونقوش يونانية).
ميناء أمبلوني
وهذه النتيجة التي توصل لها الكاتب بكون " أمبلوني " تقع في جزر فرسان قد تفسر الكثير من ذاك التراكم الحضاري المتمثل في تلك الآثار- سنشير اليها- والتي قد تكون نتيجة لحراك تجاري واحتكاك بين الحضارات التي استخدمت طريق الحرير ، طبعا نقول ذلك في ظل انعدام التنقيب الأثري الذي يسفر عن وجود معلومات يعتمد عليها في التأكيد أو النفي .
فمنطقة غُرين يبلغ فيها حجم الحجر الواحد حوالى 2.5 × 1.5 متر أو أكثر كما يزن عدة أطنان إن قدر له أن يوزن. وفي موضع آخر يدعى (بالقريا) يوجد آثار مشابهة أبرز ما فيها الأسرة المصنوعة من الحجارة وبقايا غرف لا يزيد الضلع الواحد من أضلاعها عن حجرين منحوتين بشكل هندسي. ويقول الأديب والشاعر إبراهيم مفتاح : إن هذه الأشكال جميعها سواء في وادي مطر أو في الكُدمي بقرية القصار أو قلعة لقمان وغُرّين والقريا ظلت جميعها تضع أمامي تساؤلات أجهل الإجابة عليها حتى جاء بعض الخبراء التابعين لقسم الآثار بوزارة المعارف واستنتجوا من الكتابات الموجودة على بعضها أنها تعود الى عصور ما قبل الإسلام.
وادي مطر
ويضيف: ووادي مطر الذي يقع في جنوب بلدة فرسان وعلى بعد تسعة كيلومترات تقريباً ، توجد به بعض الأطلال ذات الصخور الكبيرة الذي كُتب عليها بعض الكتابات الحميرية فُسِرت من قِبل بعض الخبراء التابعين لقسم الآثار بوزارة المعارف بأنها كتابات حميرية تعود إلى عصور ما قبل الإسلام والشيء العجيب في معظم المناطق الأثرية في الجزيرة هو الصخور الضخمة المستخدمة في تلك المباني وذلك يضع أمامنا علامة استفهام في كيفية إحضار هذه الصخور والمكان الذي أحضرت منه.
ويستطرد قائلا: القريات تقع شمال غرب محافظة فرسان بحوالى 19كيلو مترا ، وتستطيع أن تشاهد على بعد حوالى 5 كيلو مترات أساسات ومباني القريات شرق الطريق بحوالى 2 كيلو متر على أرض منبسطة ، تنتشر على سطحها الكسر الفخارية ، والموقع عبارة عن أساسات لمبان متفرقة أغلبها يمثل وحدات سكنية صغيرة تنتشر على حيز بطول 200م وعرض 200م .
ويظهر أن هذا الموقع مر بمرحلتين من الاستيطان يتبين ذلك من حيث طريقة البناء والمواد المستخدمة وهي كالتالي :
- المرحلة الأولى : استخدمت عملية التعشيق في البناء بدون مونة بحجارة ضخمة ومهذبة تصل مقاسات الحجر الواحد بطول 2 متر وعرض 90سنتيمترا وارتفاع 90م وبسمك 40سم ، هذه بالنسبة للجدران الخارجية ، كما نجد أن تخطيط الوحدات السكنية متكررة ، تتمثل بمدخل رئيسي يؤدي إلى ساحة صغيرة تفتح عليه مجموعة من الوحدات الداخلية .
المرحلة الثانية :
تمثل الغالبية العظمى لهذا الموقع وتعتبر أحدث من المرحلة السابقة فنجد أن الوحدات السكنية بنيت بحجارة غير مهذبة وبطريقة عشوائية نوعا ما ،وفي إحدى هذه الوحدات يوجد حجر مستطيل الشكل مقعر نسبيا طوله 175سم وعرضه 90 سم وسماكته 20 سم وهو على شكل سرير محمول على حجارة كأرجل .
وبدراسة بعض الملتقطات السطحية من الكسر الفخارية لهذا الموقع خاصة فترة الاستيطان الثانية يظهر أن الموقع يعود إلى فترة إسلامية متأخرة.
قرية القصار
ويضيف مفتاح: وكذلك الحال في قرية القصار الواقعة جنوب المحافظة بحوالى 5 كيلو مترات حيث توجد أساسات لمبان متفرقة وسط القرية التي كانت مأهولة بالسكان إلى وقت قريب، ويظهر أن فترة الاستيطان الأولى في هذا الموقع قديمة جدا ، واستخدمت حجارتها للمباني القائمة حاليا حيث نشاهد بعض التيجان وسط جدران الأطلال الباقية حاليا، كما استخدمت الأعمدة الأسطوانية وبعض الكتل الحجرية المنقوش عليها بعض الحروف بالخط المسند كاعتاب للمداخل ، وكذلك يلاحظ وجود حفرتين متجاورتين وسط صخر مرتفع متوسط مقاساتهما 200*80سم والعمق المتبقي منهما حوالي 150 سم غطى نصف واحدة منهما بحجار وربما استخدمت لأغراض التخزين.
وشرق القرية وعلى بعد حوالى 2كم يقع جبل لقمان أو قلعة لقمان على مكان مرتفع تظهر فيه أطلال لبرج أو حصن دفاعي قطره أكثر من 10 أمتار مبني من حجارة ضخمة تبلغ مقاساتها بطول 150 سم وعرض 60 سم وبسمك 60 سم ، وهذا البرج أو الحصن ذو موقع استراتيجي بالنسبة للجزيرة حيث يطل على مساحة واسعة من سواحل الجزر التي تحيط به من الناحية الجنوبية الشرقية وبداخل البرج من الجهة الشرقية ممر مستطيل عرضه حوالى 120 سم ، ويلاحظ أن هناك تعديات على الموقع خاصة في وسط المبنى ، والذي ربما يعود الى الفترة الاسلامية المتأخرة ويتضح ذلك من نوعية الفخار المنتشر حول الموقع.
قلعة الاتراك
ويضيف : أخيرا قلعة الأتراك التي تعد من أهم المواقع الأثرية في جزيرة فرسان
وهي عبارة عن مبنى مستطيل الشكل " قلعة حربية " طول ضلع سورها الجنوبي 1707 أمتار يوجد فيه المدخل الرئيسي لها ويطل على المحافظة وضلعها الشرقي 1285مترا بنيت جدرانها من الحجارة غير المهذبة والمغطاة بالجص من الداخل والخارج وسماكة الجدران 65 سنتيمترا كما أن جميع الجدران الخارجية للقلعة والسور بها فتحات مائلة تستخدم للدفاع تتسع من الداخل وتضيق للخارج .
وتحتوي القلعة من داخل السور على ساحة في جهتها الشرقية غرفتين صغيرتين مسقوفتين ، حيث سقفت الغرفة الملاصقة للسور بخشب الدوم وارتفاع سقفها لا يتجاوز المترين ربما استخدمت كمستودع أما الأخرى فعلى شكل دكة مرتفعة سقفها مع سقف القلعة نفسها ، وعلى يسار المدخل خزان مياه مكشوف غطيت جدرانه الداخلية بالأسمنت ، ومقابل مدخل السور دكة مرتفعة قليلا بطول 5.60 م وعرض 2.10م في جهتها الشرقية، المدخل الرئيسي للقلعة ويقابل المدخل درج يؤدي إلى غرفة مرتفعة تساقط سقفها وربما كان يصعد للسطح من خلالها.
ويلاحظ أن جدران السطح العلوي مليئة بالفتحات الخاصة بالمراقبة والشبيهة بالفتحات السفلية أما السقف فمن قضبان الحديد وجريد النخيل وتساقط أجزاء منه خاصة في جهته الغربية ، كما يبدو أن القلعة مر عليها تعديلات خاصة في جهتها الغربية وخزان المياه ربما استخدمت في فترة متأخرة.
الجدير ذكره هنا هو كون كل تلك المواقع الأثرية لم يمسها التنقيب الأثري بعد ، ومن يدري فقد تظهر مدن تحت تلك المواقع لو خضعت للتنقيب ، كما انها تشتكي من عدم العناية لا ترميما ولا حماية فهي متروكة لفعل الزمن ولتجار سوق الآثار السوداء ، وكلا الفاعلين أطلق له العنان يمارس لعبته دون رقيب أو مرمم .