هنالك انفراج واضح في الأزمة اللبنانية بدأت بواكيره تلوح في الأفق منذ توقيع اتفاق الدوحة في 21 مايو الماضي وما أعقبه من انتخاب رئيس للجمهورية بعد فراغ رئاسي استمر ستة أشهر..
وبتشكيل حكومة وحدة وطنية تطلب الاتفاق عليها 45 يوما، ثم بانجاز البيان الرئاسي في الثاني من اغسطس الماضي رغم ما شابه من تحفظات بعض الوزراء.
وقد تعزز هذا الانفراج بتبني مجلس الوزراء اللبناني مساء الاثنين الرابع من اغسطس بالاجماع مسودة البيان الوزاري الذي يشدد على مرجعية الدولة وتنال الحكومة على أساسه ثقة مجلس النواب الذي من المرجح - في ظل هذه الاختراقات - ان يتم دون عراقيل..
وحيث تتم في غضون ذلك الزيارة المرتقبة للرئيس ميشال سليمان لدمشق لترسيم الحدود وتبادل التمثيل الدبلوماسي بين الدولتين الشقيقتين اللتين كانتا قبل صدور معاهدة سايكس - بيكو ونهاية الحرب العظمى دولة واحدة، وايضا تدشين الحوار الذي سيدعو اليه الرئيس سليمان في بعبدا بمشاركة الجامعة العربية للتوصل الى استراتيجية وطنية شاملة لحماية لبنان والدفاع عنه تتضمن ضمن ما تتضمنه تحديد دور سلاح حزب الله.
الانتهاء من اعداد مسودة البيان الوزاري قبل انتهاء المهلة الدستورية، واقرار مجلس الوزراء مشروع البيان الوزاري بالاجماع يعتبر انجازاً للعهد الجديد وبما يكرس لمرحلة جديدة في تاريخ الدولة اللبنانية يسود فيها السلم الامني وتختفي من مسرحه السياسي مشاهد الاغتيال والفتنة والدمار.
هذا الانجاز يحسب للحكومة وللرئاسة معا، لاسيما انه ما كان ليتحقق لولا الصيغة التي تم التوصل اليها بين الرئيسين سليمان والسنيورة بشأن سلاح المقاومة، وهي الصيغة الواردة في خطاب القسم على النحو الاتي: «تؤكد الحكومة حق لبنان بشعبه وجيشه ومقاومته في تحرير مزارع شبعا وتلال كفر شوبا والجزء اللبناني المحتل من قرية الغجر او استرجاعها والدفاع عن لبنان في مواجهة أي اعتداء والتمسك بحقه في مياهه وذلك بكل الوسائل المشروعة والمتاحة» الى جانب ما اكده الرئيس سليمان في ذكرى يوم الجيش اللبناني عشية صدور البيان الرئاسي بأن الخلافات الرئاسية لاينبغي لها ان تمنع أحصنة الحكم من الانطلاق او ان تكون اداة تعطيل للحوار او لعمل المؤسسات.
التوازن في البيان الوزاري تمثل في ان سلاح المقاومة يؤكد مرجعية الدولة ولايتعارض معها وان المقاومة بالتزامها الرسمي تستطيع ان تساهم بتعزيز سلطة الدولة ومرجعيتها.
لا أميل الى القول بأن بوادر انفراج الازمة اللبنانية المستعصية تعود الى تحسن اجواء التجاذبات الاقليمية وعلى الاخص بدء المفاوضات السورية - الاسرائيلية التي تتجه الى ان تتحول الى مفاوضات مباشرة رغم استقالة رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت المقررة اواسط الشهر المقبل..
وحيث تحظى وزيرة خارجيته تسيبي ليفني الاقل تشددا من نتنياهو وموفاز بالحظ الاوفر في خلافته ولا الى الزيارة التي قام بها الرئيس السوري مؤخرا الى باريس للمشاركة في قمة الاتحاد من اجل المتوسط وانما لادراك القيادات اللبنانية الأربع عشرة ان التصعيد في الازمة مآله حرب اهلية تختلف عن حرب الخمسة عشرة عاما وأنها لابد أن تؤدي الى تقسيم لبنان.
تحسن اجواء التجاذبات الاقليمية لعب دورا بلاشك على صعيد تحقيق الانفراج في الازمة اللبنانية لكنه لم يكن العامل الاكبر..
فالعامل الاكبر كان ضمير لبنان واحساس قادته بالمسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقهم.
الدرس الذي تعلمه اللبنانيون جيدا من تسلسل الاحداث في الآونة الاخيرة، وينبغي ان يستفيدوا منه مستقبلا يتمثل في انه لايمكن تحقيق انجاز حقيقي لتعزيز مفهوم الدولة وتأكيد وجودها الفاعل دون التعاون بين رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب وان هذا الثلاثي المؤثر في المعادلة السياسية اللبنانية يعكس الوضع اللبناني برمته..
وان على لبنان ان يتجاوز مرحلة التصريحات النارية والخطب البلاغية والحروب الاعلامية التي يتبادلها فرسان الازمة وعشاق «المايك»، لأن هذه الخطب والتصريحات تؤجج الصراع وتزيد نار الازمة اشتعالاً..
فلبنان الان احوج ما يكون الى الحوار الهادئ والبناء الذي يؤدي الى الوفاق والتوافق..
وأن هذا الاسلوب هو الاسلوب الوحيد المجدي في التصدي لاذيال الفتنة الطائفية التي لاتزال تعصف بطرابلس والعبث بأمنها وتمزيق نسيج وحدة ابنائها التي ظلت الى عهد قريب مثلا يحتذى به.
هل تعلّم لبنان من الأزمة ؟!
20 أغسطس 2008 - 20:18
|
آخر تحديث 20 أغسطس 2008 - 20:18
تابع قناة عكاظ على الواتساب