مع ارتفاع أسعار البترول تتزايد الأهمية الاستراتيجية لباب المندب، ومع تزايد هذه الأهمية تتصاعد الأزمات في الدول المحيطة به، وبشكل خاص الصومال..
وتكثر المخاوف من جراء عمليات القرصنة والتهريب التي تتعرض لها سواحل الدول المجاورة، مما جعل تسع عشرة دولة تسير دوريات في البحر العربي، والبحر الأحمر لملاحقة تهريب السلاح. فبعد الهجمات التي تعرضت لها القاعدة في أفغانستان في أعقاب أحداث 11 سبتمبر وتفكك فصائل تنظيم القاعدة سعت هذه الفصائل إلى البحث عن بيئة ملائمة، عندها خشيت الولايات المتحدة الأمريكية أن تتخذ القاعدة من جبال اليمن العالية، والفراغ الصحراوي في الصومال ملاذاً أكثر أمناً لها.
أدركت الولايات المتحدة الأمريكية بأن منطقة باب المندب تتسم بالانكشاف الأمني بسبب عدم قدرة النظم السياسية المحيطة بباب المندب السيطرة على أقاليمها السياسية، وذلك لمنازعة القبائل والعشائر السلطات السياسية نفوذها على هذه الأقاليم، بالإضافة إلى أن القبائل أشبه ما تكون بالشبكات العنقودية المتباعدة من حيث النفوذ، مما يهيئ الأجواء الملائمة لتغلغل الخلايا الإرهابية بينها.
لم تجد الولايات المتحدة دولة أكثر أمناً في المنطقة من دولة جيبوتي التي تحتفظ بقاعدة فرنسية فيها منذ أمد طويل، فاتخذت الولايات المتحدة منها قاعدة لتوفير الحماية الأمنية لباب المندب، لهذا نجد الاستخبارات العسكرية الأمريكية (G3) تقوم بنشر ثلاثة آلاف جندي أمريكي في جيبوتي والصومال منذ عام 2003 للميلاد في خطة دقيقة لاحتواء الضربات التخريبية المحتملة من تنظيم القاعدة في هذا الممر الحيوي مما حال دون تسرب الإرهابيين لها، وبهذا ضمنت العبور الآمن للبترول العربي إلى الدول الصناعية الكبرى في أوروبا.
لقد شكل اليابس في اليمن وجيبوتي عبر التاريخ الجيولوجي ضغطاً على الماء جنوب البحر الأحمر فتكون من جرائه باب المندب، لهذا يرى الجيولوجيون أن خليج عدن ما هو إلا امتداد للبحر الأحمر.
فباب المندب ما هو إلا ممر مائي لا يتجاوز عرضه عدداً من الأميال تتوسطه جزيرة بريم اليمنية، فتقسم الممر إلى قسمين، ممر شرقي ضيق لا يتعدى أربع كيلومترات لا يتسع لناقلات النفط العملاقة بسبب أعماقه التي لا تزيد على ثمانية أمتار.
أما الممر الغربي للجزيرة، فيصل إلى أكثر من واحد وعشرين كيلاً من المترات، لكن ما يصلح للملاحة سبعة عشر كيلاً فقط بسبب كثافة الأرصفة المرجانية، لهذا تفضل السفن السير بمحاذاة السواحل اليمنية بسبب انتشار بعض الجزر على الشواطئ الافريقية.
ولأن هذه الجزر خالية من السكان، وتنتشر فيها الشعب المرجانية، وتتسم بسوء الأجواء، فإن المهربين، وتجار السلاح وجدوا فيها المكان المناسب، فهم يفضلون استخدام القوارب المطاطية بسبب محدودية الغاطس فيها، وقلة تعرضها للارتطام بالشعب المرجانية، لهذا فضلت القوات الأمريكية استخدام زوارق الطوربيد الصغيرة، ولنشات الصواريخ لملاحقة سفن التهريب المطاطية خشية أن تتسلل من خلالها العناصر الإرهابية، أو تعمل على تلغيم الشعب المرجانية.
إن منطقة باب المندب لا تصلح لتكون مسرحاً للعمليات العسكرية البحرية الموسعة، كما هو الحال في البحر الأبيض المتوسط، بل إن هذه المنطقة لا تصلح إلا للعمليات المحدودة والخاصة، لهذا اكتفت الولايات المتحدة بتسيير الدوريات.
ولو نظرنا إلى ميناء عدن لوجدناه من أهم موانئ المنطقة، وإن شئت قلت بأنه من أهم موانئ العالم، أما ميناء جيبوتي فيأتي في المرتبة الثانية، فهو خليج لا تتوفر فيه المقومات الجغرافية التي تتوفر لميناء عدن، إذ يقع على الميناء خليج ضيق هو خليج تاجورا، ويستقر في تجويف بين كتلتين صخريتين عملاقتين، مما يضايق حركة السفن، كما أنه لا يقع على المسار الطبيعي لحركة السفن، ومع ذلك فإن السفن التي ترغب في التزود بالوقود من ميناء جيبوتي عليها أن تنحرف عن مسارها لتدخل في ذلك التجويف، مما يكلفها مائتي كيلو متر ذهاباً وإياباً خارج المسار الطبيعي للممر الدولي للسفن.
إن بعد ميناء جيبوتي عن مصادر النفط في الخليج تسبب في رفع التكلفة لتغذية صهاريج البترول في الميناء، مما جعله ميناءً للترانزيت خصوصاً أن هذا الميناء يخدم دولة من دول القرن الافريقي هي دولة أثيوبيا، كما ساعد على ذلك الخط الحديدي الممتد ما بين الميناء وأثيوبيا، وبهذا أصبح ميناء عدن ميناءً للتموين، وجيبوتي ميناءً للترانزيت، لكن ميناء عدن رغم المزايا التي يتمتع بها، وبشكل خاص ما يحمي السفن من التيارات الهوائية العاتية، إلا أنه عاش صراعات قاسية، واليوم تجري محاولات لإعادة تأهيله أمنياً وإدارياً للقيام بدوره الطبيعي في توفير الحماية والتموين للسفن.
إن الخطة الاستراتيجية لحماية باب المندب من الأعمال الإرهابية تقوم على مرحلتين، الأولى نشر عناصر من الاستخبارات الحربية الأمريكية تصل إلى ثلاثة آلاف جندي في المنطقة للحيلولة دون وصول عناصر القاعدة إليها، كما أنها سيرت دوريات في البحر العربي والبحر الأحمر لملاحقة المهربين والإرهابيين تتكون من تسع عشرة دولة تحت القيادة الفرنسية.
أما المرحلة الثانية من الخطة الاستراتيجية، فهي إنشاء مدينتين على الجانب اليمني والجانب الجيبوتي، هاتان المدينتان تحتجزان أراضي على باب المندب تمنعان الإرهابيين من التسلل إليهما.
المدينة الأولى مدينة النور على خليج تاجورا في الطرف الجيبوتي، وتبلغ مساحتها ألف كيلومتر مربع، أما المدينة الثانية، فتقع على الجانب اليمني، وتمتد بمحاذاة الشاطئ حتى تصل إلى مدينة عدن، فتضمها إليها، وتبلغ مساحة مدينة النور على الجانب اليمني ألف وخمسمائة كيلومتر مربع. وتعتبر هذه المدن من المدن الحديثة التي تتضمن قطاعاً للصناعة، والتعليم، والسياحة، وسوف تمثل نقلة حضارية للمدن والدول المجاورة، وتتوفر لها الحماية الكافية، وقد استدعت الاستخبارات الأمريكية عدداً من أكبر الشركات العالمية للمساهمة في هذا المشروع، واختارت للقيام به مقاولاً من أصول يمنية، وقد تم التوقيع على المشروع مع الدولتين في 27 يوليو من عام 2008 للميلاد. وبهذا تكون الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا قد وفرتا الحماية والأمن بكل صوره وأشكاله لهذا الممر الاستراتيجي الهام.. والله الموفق.
eshki@doctor.com
باب المندب.. والخطة الاستراتيجية لحمايته
8 أغسطس 2008 - 21:34
|
آخر تحديث 8 أغسطس 2008 - 21:34
تابع قناة عكاظ على الواتساب