في الأسبوع الماضي عرضت فضائية إخبارية تقريرا يجسد الصراع بين اتجاهات التغريب والأصالة في تركيا وكان عن قضية مرفوعة بين مالكة عقار ورجل أعمال كانت قد أجرته عقارها كمقر لشركته لكن لما رأت زوجته المحجبة هاجمته بقولها: “كنت أعتقد أنك رجل متحضر، كيف تتزوج امرأة محجبة” وأصرت على أن يترك عقارها، وهذا القول المستفز هو عينة واقعية لأحد أكبر المعضلات التي تواجه الواقع الإسلامي، والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا ارتبط في اللاوعي الجماعي وَصف الغرب بالتطور والتحضر والشرق المسلم بالتخلف والرجعية وكل الألقاب المستفزة التي باتت جزءا من الصورة النمطية الراسخة عن الإسلام والمسلمين؟! والجواب يكمن في “الارتباط الشرطي” وهو مبدأ طوره “بافلوف” رائد مفهوم غسيل الأدمغة، ففي أشهر تجاربه كان يقدم للكلاب طعامها مع قرع جرس، وبعد فترة جرب قرع الجرس بدون الطعام فلاحظ أن لعابها يسيل كما ولو أنها ترى الطعام، فالجرس ارتبط تلقائيا في لاوعيها بالطعام، والتحضر في أبسط تعريفاته هو التمدن، لكن التحضر أيضا اتخذ مفهوما سلوكيا قيميا يترادف في تراثنا مع مفهوم “المروءة” الجامعة لمكارم الأخلاق، ومن يقرأ كتب التراث سيذهل من مدى الرقي الأخلاقي والسلوكي الذي تميزت به الشخصية المسلمة في عصور سابقة لدرجة تكاد لا تكون واقعية على الأقل بالمقارنة مع وضعنا الحالي الذي لا يسر، ولعل أصدق اعتراف به مقال د. عائض القرني الذي كتبه في رحلة علاجه في الغرب “نحن العرب قساة جفاة” 6 / 2 /1429 “الشرق الأوسط “والذي قارن فيه بين لطف ورقي السلوكيات التي رآها في الغرب وبين ما وصفه بالقسوة والجفوة والغلظة التي صارت الصبغة الغالبة على مجتمعاتنا، وصحيح هناك تجنٍّ من الغرب لحد ما بالنسبة لتنميط صورتنا، لكن الذنب ذنبنا لأننا لم نُرِهم صورة أفضل سواء في المثل الواقعي أو الإعلامي، فلو نظرنا للفن العربي ماذا سنرى سوى القبح والسلوكيات السوقية المتخلفة، حتى لجأ العرب لاستيراد فنون الآخرين، ويكفي أن بلد الحضارة وألف ليلة وليلة بات مسلخة بشرية ذبح فيها الإخوة من بعضهم مليون إنسان بأبشع الطرق، التحضر هو ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام الذي علم أصحابه اللطف والرقي في التعامل مع النساء وقرر أن أفضلية الرجال إثباتها في كيفية تعاملهم مع النساء، المسألة ليست في الحجاب لأن الحجاب لا يختلف كثيرا عن زي الراهبات، وحتى السيدة الأمريكية الأولى وضعت حجابا على رأسها عند مقابلة البابا، المسألة هي في ضياع قيم المروءة في مجتمعاتنا فحتى في الجاهلية كان الرجال يتعففون عن ضرب النساء لأنه ليس من المروءة ضرب امرأة، بينما رأينا في الصور الملتقطة في أفغانستان أيام طالبان رجال الحسبة يقومون بضرب النساء في الشوارع وهن في كامل الزي المفروض عليهن فقط كنوع من التسلط النابع عن نظرة الاحتقار للمرأة، وهكذا ارتبطت تلك الممارسات والواقع التنموي السلبي للعالم الإسلامي ارتباطا شرطيا بالمظاهر الإسلامية، وصرنا عبئا على الإسلام وفتنة لغير المسلمين (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا).

bushra.sbe@gmail.com




للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 111 مسافة ثم الرسالة