إن فساد قلوب الناس وعقائدهم، وأعمالهم يوقع في الأرض الفساد، ويملأها براً وبحراً، فظهوره في البلاد واستفحاله لا يتم عبثاً، حيث قال الله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون}. سورة الروم آية 41. كما أخبر سبحانه وتعالى بأنه لا يحب الفساد: {والله لا يحب الفساد} سورة البقرة آية 205.
الغرض من هذه المقدمة تقول اننا نحن المسؤولون كأفراد وكمجتمع عن نهضة هذه الأمة أو عن فسادها وليس المسؤولين في الدولة فقط!! فكل مواطن مسؤول في إحداث أي تطوير أو تخلف أو تغيير حتى ولو كان صغيرا. وإذا تساءلنا عن سبب ما نعصف به من فساد فسترى الجشع وحب السلطة والظهور ماثلين أمامك كأفضل جواب، والدليل هو خبر نشرته عكاظ في عددها رقم (2568) يوم السبت الماضي في صفحة الحوادث تحت عنوان “ضبط 5 سعوديين بشهادات مزورة”، وتلك كارثة ومصيبة عظيمة أصبحت للأسف ظاهرة تدق ناقوس الخطر على البلاد والعباد. هذا وقد كتب مرارا وتكرارا في صحفنا المحلية عن ظاهرة انتشار الشهادات المزورة أو الدرجات العلمية المزيفة في مجتمعنا وما شابه ذلك من فساد، كما نمت مؤخراً تجارة أو صناعة بيع الشهادات المزورة بمختلف أنواعها التي تقدر قيمتها بحوالي مليار دولار سنوياً، يتم فيها رصد التقديرات ودرجات الطلاب عبر فصول الدراسة الوهمية، التي يتم تشكيلها اليوم في صورة وثائق يمكنها خداع أي شخص، بها خانات للدرجات والدورات التي حصل عليها الطالب، كما أنها مزودة بعلامات مائية يتم طباعتها بأحرف دقيقة مما يجعلها تبدو كأنها واقعية تماماً، بينما أصحابها “المزورون” للأسف يتحركون في مجتمعنا متخفين بجهلهم وفسادهم، يبيعوننا الوهم والموت والضياع، ورغم أن الكثير من الكتاب الموقرين بادروا بوضع بعض من الحلول، إلا أنني أرى ان تقاعس الأجهزة المعنية هو سبب ما نراه الآن وغياب العقاب والمساءلة للمسؤولين والموظفين أجج من هذه المشكلة، بل وجعل منها ظاهرة ستتكرر ما لم يكن هنالك تحرك رسمي وإحساس بالأمانة والمسؤولية؟؟
وفي هذا الصدد أتذكر موقفاً حدث معي شخصيا منذ مدة، حيث أشاع زميل لي في العمل بيننا خبر حصوله على “شهادة دكتوراه” من جامعة أجنبية!! ولأنه لم يسبق له أن غادر البلاد قط ولم يحصل أن غاب عن أعيننا فقد أثار ادعاؤه الشكوك في نفسي!! كذلك فإني أعرف شخصياً رجل أعمال لا ينقصه شيء، لديه المال والوظيفة والمركز الاجتماعي وقد أراد أن يضيف إليها اللقب فرحل لأسبوعين إلى إحدى الدول الآسيوية وعاد يحمل لقب “الدال”. لكن ماذا سيتغير؟ أعتقد أن الناس تفهم وإن كانت تغض الطرف عن تلك التصرفات غير المسؤولة.
الادعاء الأخير ضرب من ضروب “حب الظهور” ولكنه في ما أرى يتعدى ذلك بكثير ويرقى ليغدو جناية مع سبق الإصرار أو ما يشبه “انتحال الشخصية” لتحقيق أغراض شخصية من تلميع للذات أو خداع الآخرين لنيل حاجة أو غرض منهم، على سبيل المثال.. خطبة أو زواج.. أو وظيفة مرموقة.. أو ظهور في محافل الإعلام، الخ.. هذا الادعاء بإمكان جهات مثل وزارة الخارجية، وزارة الداخلية، وزارة التعليم العالي أن تتعامل معه بآلية فحص وتحقق فعالة تحد من عواقبه مثل إنشاء سجل إلزامي يطالب الحاصلين على هذه الدرجات العلمية العليا بإرسال نسخة من شهاداتهم المعتمدة بالفاكس لوحدة متخصصة للفحص والتدقيق في تلك الوزارات أو أي آلية أخرى مناسبة.
إنه إشراف مباشر ومتابعة ميدانية، وهو خير من “حسن الظن” دلت التجارب في كثير من الأوقات على أنه في غير محله وخاصة في الميادين الطبية والتعليمية “الأكاديمية”، لأن نتائجها مضرة ومجحفة بحقوق الوطن والمواطنين وخاصة بعد تكرار حوادث الأخطاء الطبية وغيرها، وذلك يمثل مشكلة أساسية في مجال الصحة والأعمال والمجتمع على حد سواء، ويهدد بالسقوط الحضاري والانهيار الداخلي للمجتمع، فإذا قمنا بتوظيف شخص قام بشراء شهادة أو درجة علمية، فيجب علينا على الفور ان نتساءل عن مدى كفاءته وجودة عمله، وما يدل على سوء أخلاقياته. ذلك ما يملي ان تكون معايير التدقيق صارمة جداً لا مجال فيها البتة للتساهل أو التهاون أو الشفاعة بالمطلق.
هذه دعوة للتدقيق في كل الشهادات والدرجات العلمية العليا من جديد مع ضرورة أن تبقى معاملة الجميع على مستوى راق وبقدر عال من الاحترام لأن الغالبية العظمى -إن شاء الله- ليسوا مزورين ولكن عليهم أن يتفهموا ضرورة التدقيق وما آلت إليه الأمور مؤخراً، وأحسب أنهم يشاركوننا الشعور بالامتعاض بل والشعور بالعار أحيانا من مثل أولئك “المتمظهرين” كفى الله البلاد والعباد أذاهم وأبعدهم عنا وعافانا منهم عاجلا غير آجل، والله المستعان.
أخبار ذات صلة