هل يستطيع العقل أن يكتب عن العقل؟ وأي عقلٍ هذا الذي يكون كاتباً ومكتوباً في آن؟
لا أزعم أن مؤلف كتاب "العقل مدخل موجز" الفيلسوف الإنجليزي جون سيرل سيجيب عن هذا السؤال بصورة مباشرة، ولكن قراءة الكتاب الذي ترجمه ميشيل حنا وصدر عن عالم المعرفة 2007، بتعمق جديرة بأن تنبهنا الى أن العقل المراد هو العقل الفلسفي بوصفه أرقى أنماط التفكير البشري حيث يكون قادراً على دراسة وتحليل نفسه دون إخلال بالموضوعية. فالكتاب كما يصفه صاحبه ليس مجرد مقدمة لفلسفة العقل ، بل هو كذلك تحليل ونقد لأهم المشكلات العقلية التي تثيرها الفلسفة تارة تلو أخرى.
بالتأكيد فثمة فرق كبير بين العقل كأداة علمانية ومهارية وحرفية، والعقل كإمكانية مفتوحة للتفكير النظري العميق الذي يجعل من النشاط العقلي غاية وليس وسيلة. والذكاء النابع من هذا النشاط يسمى الذكاء النظري وهو مختلف عن الذكاء العادي الذي يتميز به الأفراد في ناحية من النواحي.
فما هو هذا العقل النظري الذي كتب عنه جون سيرل كتبا وبحوثا كثيرة أهمها كتابنا هذا وكتاب "العقل واللغة" و"سر العقل" وغيرها؟
يبدأ المؤلف بعرض للمشكلات العقلية التي تناولتها المذاهب الفلسفية بالعرض والتحليل والنقد ويحددها باثنتي عشرة مشكلة أشهرها ثلاث؛ وهي مشكلة العقل والجسد، ومشكلة السببية العقلية، ومشكلة القصدية. فإذا كان العقل من طبيعة مختلفة عن طبيعة الجسد لكون الأول غير مادي ولا يسمح بالالتقاء المباشر أو حتى غير المباشر - حسب بعض النظريات - مع ما هو مادي فكيف نفسر ما يحدث من تأثير متبادل بينهما؟ فالأحوال العقلية سواء أكانت روحية أو نفسية أو تفكيرية لها أثر على الجسد وعلى المادة كما أن للمادة وللجسد أثراً واضحاً على هذه الأحوال .. فكيف تم هذا؟
تأملات نظرية
أول فيلسوف حديث حاول طرح المشكلة هو ديكارت ولكنه تركها معلقة ومضطربة مما جعل الفلاسفة بعده يخصصون قسطا كبيرا من تأملاتهم النظرية في محاولة حل هذه الإشكالية. فالغدة الصنوبرية التي يرى ديكارت أنها هي الجسر الذي يربط ما هو عقلي بما هو مادي حل ساذج وغير مقنع.. فاضطر جالينكس ومالبرانش وبقية تلامذة ديكارت المخلصين إلى ردم هذه الهوة التي تهدد النسق الميتافيزيقي لأستاذهم. فأنكر هذان الفيلسوفان أن تكون هناك علاقة أو اتصال بين العقل والجسد، وفسرا ما يحدث بما أسماه مالبرانش بالمصادفة أو المناسبة. فالعالم العقلي يسير بإزاء العالم المادي ولا يحدث بينهما اتصال إلا بإرادة الله المباشرة، وهذه الفكرة تذكرنا بفكرة قريبة منها عند بعض متكلمي الإسلام كالأشاعرة.. ولأبي حامد الغزالي فكرة مشابهة ولكن في إطار مشكلة السببية. إن حصول حدث فيزيائي "مناسبة" لحصول حدث عقلي والعكس صحيح. هذا هو ملخص فكرة مالبرانش والتي طورها من صديقه جالينكس الذي اعتبر العلاقة بينهما أشبه بساعتين ضبطتا بشكل دقيق بحيث ترن الأولى في اللحظة التي تشير فيها الثانية إلى الوقت مما يوهم بوجود اتصال وثيق بين هاتين الساعتين!
وأما الفيلسوف الهولندي الشهير إسبينوزا فقد رفض هذه الثنائية الديكارتية ووحد بين العقل والمادة. فالواقعة ينظر إليها من زاويتين؛ فمن نظر إليها من حيث كونها عقلا أدرك فيها النظام والترتيب والقانون، ومن نظر إليها من حيث كونها مادة تراءى له فيها الحركة والامتداد.
وأما ليبنتز الفيلسوف الألماني فقد أنكر وجود المادة كجوهر متأثرا في هذه الفكرة بالفيلسوف الأسكتلندي جورج بيركلي صاحب الفلسفة اللامادية. وهي فلسفة ترى إلى وجود المادة باعتباره مقترناً بالإدراك العقلي.
حجاب العادة
أما مشكلة السببية العقلية فأشهر من أثارها هو الفيلسوف الإيرلندي الشهير ديفيد هيوم الذي أنكر وجود ارتباط ضروري بين السبب والمسبب.. فليس هناك إلا العادة التي تضطرنا إلى التوهم بوجود سبب ضروري وحتمي لحدوث المعلول إثر العلة مباشرة. وهذه الفكرة طرحها أبو حامد الغزالي، كما قلنا قبل قليل، وأنكر فيها وجود الارتباط السببي الضروري من أجل إثبات قدرة الله المطلقة.. ولكن هيوم ترك الأمر معلقا مما جعل إيمانويل كانط يهب فزعا من أجل إنقاذ العلم والأخلاق والدين من هذه الفكرة التي تقود إلى العدمية المحضة العمياء
أما مشكلة القصدية فهي مرتبط بالمشكلة الأولى مشكلة العلاقة بين العالم المادي والعالم العقلي.. فهي تسأل كيف يمكن للعقل أو للتفكير أن يتجاوز حدود الجسد أو الدماغ فيرحل بعيداً جداً إلى أماكن يصعب على الجسد الوصول إليها؟ إن أفكاري تشير إلى الشمس – مثلا – والتي تبعد عن جسدي 93 مليون ميل، ثم تنتقل فجأة إلى تأمل الأحوال السياسية في بلد آسيوي أو شرق أوسطي.. ثم يرحل العقل فوراً إلى التفكير في نتيجة مباراة كرة قدم بين فريقين في أمريكا اللاتينية وهكذا. فكيف يحدث هذا؟ إن هذه المشكلة تعود بنا كما قلنا إلى مشكلة العلاقة بين المادة والعقل وهي مشكلة قديمة جدا.
هذا ملخص للمشكلات الثلاث التي عالجها الكتاب وحللها.. ولكنه لم يقف عندها بل تعرض للمشكلات الأخرى التي لا تقل أهمية عنها، ولكننا فضلنا الاقتصار على هذه لأن حلها يؤثر بشكل حاسم على حل بقية المشكلات العقلية الأخرى. فمن هذه المشكلات: بنية الوعي، والإرادة الحرة، واللاوعي، والعقول الأخرى، والإدراك، والذات ونحوها.. وهي مشكلات جديرة بأن نقرأها ونتأملها جيداً إذا ما أردنا أن نستخلص من هذا الكتاب زاداً معرفياً غنياً يكفينا عن قراءة كثير من كتب الفلسفة والعلوم العقلية.