يوجد في ساحة الشعر الشعبي منارات مضيئة هنا وهناك لعل من أبرزها بدر بن عبد المحسن ومجموعة لا بأس بها من الشعراء المتميزين ، ونحن لا نعلم هل هذه المنارات ستبدد الظلام ؟! أم أن الظلام سيقضي عليها ؟! في هذا الزمان الذي فقدنا فيه الكثير . واعترافاً منا بهذا التميز لمن نحب أو لمن يستحقون منا كل حب حاولنا السفر معهم بحثاً عن منابع الجمال ومواطن الإبداع ، ومن هذه الإضاءات الإبداعية قصيدة « حلم غرفة » للشاعر الأمير بدر بن عبد المحسن التي يقول في مطلعها:
يطيح جفن الليل.... واهز كتفه
يفز شمع وباقي الليل مطفي
يبدأ المشهد مع الليل ، وهو ليل الشاعر السابح في أعماقه ، وهو ليل دامس مظلم إلا من ضوء الشموع الخافت المضفي على الشاعر إحساسه بوجوده في هذا العدم والذي تشابكت خيوطه من حول الشاعر « يطيح جفن الليل » وبحركة يائسة أو عفوية يهز الشاعر كتفه ولكن دون جدوى فيستسلم للأحلام والتأملات وهي الملاذ الوحيد للإنسان الحالم .
واحاكي الجدران عن حلم غرفه
ما تشبه الجدران.. ويطول وصفي
وفي هذا البيت يتواصل الشاعر مع ليلته الخاصة وهو بيت الحلم واليقظة إذ يتسامر مع الجدران والتي توحي بالسجن أو السياج الذي حاصر الشاعر وجعله بين مطرقة الحبيب وسندان الظروف ،
وتملني الجدران.. واظهر لشرفه
تحت السما .. واسكر الباب خلفي
هنا ظهرت حركة تضاد في السلوك ، وهذا ينم عن ذوق رفيع لدى الشاعر في تعامله مع الأشياء الخارجية . لأن من المعروف أن من يمل صاحبه هو من سينفر عنه إلا أن الشاعر عندما أحس أن الجدران ملته هو الذي بادر بتركها ، وهذا طبع الأحرار عندما يشعرون بقوة الظروف من حولهم يعلنون الثورة ويرفضون الاستسلام .
ليت الشوارع تجمع اثنين صدفه
لا صار شباك المواعيد مجفي
وكعادة أي إنسان خرج من المجهول ولمس أهداب الحياة كان من الطبيعي خاصة العاشق أن يطلق أمنيات يريد لها أن تتجسد أمامه في الواقع ، إلا أننا نأخذ على الشاعر عدم نزوله إلى الشوارع والطرقات ليبحث عن محبوبته حيث ظل واقفاً في الشرفة يطلق الآهات والأماني واكتفى بمنظر المنظّر للمحبين والعشاق وكأنه يدرك ماذا سيجري له في آخر القصيدة
يا طاري الغدران والعمر رشفه
مع قلها .. ياليتها اليوم تصفى
مع هذا الاستسلام العاطفي لحالات التأمل جنح الشاعر إلى تصور الغدران وكأنها أمامه رغم أنه يعيش في المدينة التي تدل عليها « غرفة / جدران / شرفة » والشاعر هنا يدرك قلتها حتى في عالم الخيال والحلم « ياطاري الغدران » وهذه الغدران ملوثة بغبار المدينة وإلا لما كان للشاعر أي مبرر لهذه الغدران أن «تصفى» ولعله يرمي للناس الذين يواجههم في حياته والذين يدعون حبه والخوف عليه .
الصبر واجد .. مير الأقدار صلفه
والأرض واجد لكن العزم منفي
هنا تترسخ لدينا وتتضح حالة الشعور بالقيود والسياج ، لأن الصبر لا يأتي من فراغ ، وهو صبر قلمت أظافره الأقدار القاسية لذلك أحس الشاعر بأن عزمه منفي من كيانه رغم اتساع الأرض وانبساطها أمامه وهو ينظر إليها من الشرفة المطلة على الحياة.
اللي أعرفه راح ما نيب أعرفه
ولا اظن يذكرني إليا اقبلت مقفي
ما هو حبيبي مورد القلب حتفه
ولا هو حبيبي يفرح بوقت ضعفي
وهنا يبدأ الشاعر بالتساؤل بسبب الحزن والحيرة حيث تداخلت عليه الأشياء ، فما كان يعرفه جيداً صار غريباً عليه وكل منهما فقد الإحساس بالآخر.
وفي البيت التالي كانت صدمة الشاعر بحبيبه عنيفة وقوية مما دفعه لتهميشه « ما هو حبيبي « وبعبارة ثانية «و لا هو حبيبي» لأن الشاعر وصل لدرجة عالية من الحزن واليأس جعلته يغيب عن العالم ويجري وراء أحلامه وتأملاته ولكن البيت العاشر أعاده إلى الحياة بقوة
تهب ريح وتسكن العظم رجفه
وتغيب ريح وتسكن اغصان نزفي
إن هذه القصيدة تمثل رحلة عاشق حالم في جنح الليل لم يتوصل فيها إلى شيء أبداً رافضاً لليل / الجدران / الغرفة / وانتهى مستسلماً أمام قسوة الظروف ، وهذا أجمل ما في القصيدة وأروع ما في الحب.