خلال زيارتي المفاجئة لبعض مراكز ودور الرعاية.. للمشلولين والأيتام والمسنين في مدينة الطائف ممثلة للجمعية الوطنية لحقوق الإنسان شاركتني فيها أ.نورة بنت عبدالعزيز آل الشيخ في جولة للتوعية والاطلاع، ورغم الصور المحزنة والمفرحة التي رأيتها.. إلا أنني توقفت كثيراً في مركز رعاية المسنات.. سمعت ورأيت قصصاً ضحاياها أمامي.. لست هنا اليوم لمناقشة مستوى الرعاية المقدمة.. رغم جودتها فالمبنى تدخله الشمس.. مقسم بشكل ممتاز.. رعاية صحية جيدة ورغم شكوى الأمهات المسنات من نوعية الطعام المطبوخ إلا أن البدائل من الألبان والأجبان... إلخ، كافية على العموم.. ليس هذا ما توقفت عنده.. بل القصص المؤلمة.. لعدد منهن لدرجة لم أتمالك نفسي، بكيت، وسيبكي كل من يسمع هذه الحكايات الواقعية التي لم أكن أتخيّل أنها تحدث في بلدي.. بلد الإسلام.. دين الرحمة.. والتكافل.. والبر بالوالدين.. بل الأم.. الأم.. الأم.. من جعل الله سبحانه وتعالى الجنة تحت أقدامها.. اسمعوا معي بعضها:
أم.. ربت وكبّرت.. وبفضل الله أمدّ الله في عمرها حتى تعدت المائة، أفنت هذا العمر وهي ترعى الابن الوحيد، وفي ليلة ظلماء.. حمل هذا الابن والدته التي لم تفقد عقلها، إلا في بعض الأوقات يختلط عليها الأمر، والدليل أنها كانت تسأل عنه!! المهم في تلك الليلة حمل هذا الابن «الحيلة» والدته في سيارته.. ووضعها عند الدوار المؤدي لطريق الهدى.. تركها.. وذهب، ولم يلتفت ولم يفكر.. وجدت إحدى الدوريات هذه الأم المسنة، ولقد تعرف عليها أحد رجال الأمن، حملها إلى بيته، أكرمها، وكان يتصل بالابن ليسأله عن والدته، ليرد عليه إنها بخير وطيبة.. ثم طلبه ليواجهه بالحقيقة وبكذبه.. بأنه تخلّص من والدته بهذه الصورة البشعة وأنها لديه منذ أكثر من عشرة أيام.. حاول إيقاظ ضميره.. ظن أنه فعل.. فسلمه والدته..!! ولكنه أصر على الجرم.. ليتخلص منها مرة أخرى.. واستلمها مركز رعاية المسنّات في الطائف، لتقضي بقية عمرها فيه، وعندما حاولت المشرفة على المركز الاتصال به.. توقظ فيه الرحمة تطلب منه مجرد زيارتها، دعها تراك.. فيجيب «ألم تمت بعد!؟».. أما هي.. فمازالت تسأل هل جاء ابني..؟! أما القصة الثانية.. فهي لتلك السيدة التي جاء بها ابنها بنفسه للمركز، بعد أن أخبرها، بأنه سيأخذها للمستشفى لإجراء الكشف عليها وكانت بكامل قواها العقلية، دخلت وصدقت في البداية، لأن الإجراء الأولي عند دخول المركز هو الكشف الطبي على المسنة.. وانتهى الكشف وانتظرت ولم يحضر الابن.. جاء وقت الغداء حاولت المسؤولات إقناعها بأن تتناول بعض الطعام أجابت لا أعرف ولا أريد الأكل إلا مع ابني في بيتنا.. وانتظرت وكررت السؤال ألم يحضر ابني.. ألم يعد ليأخذني لبيتنا.. عندها.. حاولت المشرفة إقناعها بأن ابنها سيتأخر كم يوم.. لأنه انتقل لمدينة أخرى وسيعود ليأخذك بعد أن يستقر، لكن لم تقتنع، ولم تصدق الحكاية المحاولة.. قالت.. عرفت لقد تركني ابني في دار العجزة.. وبعدها صمتت.. ولم تتكلم.. ولم تسأل.. ولم تجب على أي سؤال، وباءت كل المحاولات بالفشل.. صمتت أيام.. ثم في يوم.. وكأنها استيقظت من غفلة.. وبدأت بضرب بطنها.. وتصيح.. ليتك لم تحمل به.. ليتك لم تنجبه.. صمتت بعدها عن الكلام وصامت عن الأكل والشراب، وتوفيت، لم تمت من عطش وجوع، بل قتلها النكران والجحود، ورغم تساؤلي.. وتعجبي في كيف يفرط الإنسان بخير الدنيا والآخرة.. البر بالأم الجنة!! قد تكون الأم مريضة مرضاً تحتاج فيه لرعاية طبية نفسية يعجز عنها؛ عندها لا مانع من طلب المساعدة.. لكن ليس التخلي.. عن ست الحبايب.. من حملت كرهاً.. ووضعت كرهاً.. وربت وشالت.. واحتضنت ورفعت يديها للخالق.. الرحمن الرحيم.. بأن يوفق ويصلح.. ويعافي.. وفي أصعب الأوقات تنسى نفسها لتتذكر أبناءها.. وبعد كل هذا.. يكون هذا الجزاء..؟!
والغريب.. أن المجتمع المسلم يعاقب المخالفين لأمور أبسط بكثير.. بكثير.. أما هذه.. فلا يعاقب عليها.. نعاقب ونوجه.. ونحذر من أمور لا تتعدى الظواهر.. أما هذه الكبيرة.. فلا عقاب؟! ولا حتى سؤال.. كيف نرى الظلم ولا نردع مرتكبه؟! سيجد عقابه لا محالة في يوم الحساب، لكن أليس من الواجب التحذير والضرب على من يتجاوز ويفرط في واجباته وهي حق من حقوق الأم أمر بها الله عز وجل. خافوا الغضب الإلهي.. لأنه سيعم.. نحتاج لقانون عقوبة.. فهذه أيضاً صورة بشعة من صور العنف.. ونحتاج أيضاً لمزيد من التوعية حتى لا ترتفع نسبة هذا النوع من العنف والظلم والجحود.
على الخط:
قال ابن عباس: «لا أعلم عملاً يكفر الكبائر مثل بر الوالدة».. اللهم رضاك ورضا الوالدين..!!
وقفة :
إلى الغالية الحبيبة أمي.. التي غمرتنا بعطائها حتى وهي على فراش المرض.. لا يكاد ينتهي الجراح من عمله تفيق.. تصحو.. لتدعو لنا بناتها وأبناءها.. كيف نفيك حقك من البر.. والله لو أفنينا الساعات والأيام في طلب رضاك لن نفيك حقك.. فلا حرمنا الله منك وأعاننا على البر بك وكسب رضاكِ.
ليت الرحم قبل ما تعقّ وتَجْحَد.. لَفَظَتْك!!!
23 مايو 2006 - 19:29
|
آخر تحديث 23 مايو 2006 - 19:29
تابع قناة عكاظ على الواتساب