"المصفق" قرية حدودية أشهر من نار على علم في جازان. قربها من الشريط الحدودي جعلها تحظى بأهم اسواق القات في المنطقة. البيع فيها على مدار الساعة والقات يفد اليها في دقائق معدودة ليصل طازجا طريا غير ان على الراغبين في قات المصفق تحمل خطورة الامر فدوريات حرس الحدود والمجاهدين تجوب المكان ونقاط التفتيش تتربص بالخارجين منها. ففي اية لحظة قد يطلبون منك الوقوف جانبا. شققنا طريقنا الى قرية المصفق بعد صلاة العصر مباشرة لنصل هناك الساعة الخامسة عصرا. ثمة ما يوحي لك بأنك خارج الحدود لولا سيارات حرس الحدود فعدد غير قليل من المجهولين يوقفونك بمجرد ان يلمحوك. كلهم من المهربين الذين يطلقون عليهم اسم الحمالة لانهم يقومون بتهريب القات حملا على الاكتاف والمسافة التي يقطعونها لا تزيد على عشرة امتار.
انتظار القات
اول مالفت انتباهي هو جلوس الكثير من الاشخاص على جوانب الطرق وعلى اسوار المنازل فقال لي مرافقي وهو من سكان احدى القرى المجاورة بأن ذلك المنظر يعني ان القات لم يصل بعد وجميع من تراهم هم في انتظاره من مروجين وزبائن. واضاف: طريقة التهريب هنا هي ان المهربين يقفون على الجانب اليمني بعد الشبك الحديدي محملين باكياس من القات على ظهورهم ينتظرون ساعة مناسبة للركض جريا على الاقدام الى الجانب السعودي الى ان يصلوا للاحواش التي يتجمع القات فيها بعدها يبدأ تقسيمه وارساله الى الاسواق المنتشرة في القرية.وهناك يعرض المروج بضاعته على الزبائن وما يميز المصفق بأنه يختصر الوقت لقربه من قرى يمنية فيحصل عليه الزبائن طازجا ورخيصا.
وحرس الحدود كما ترى لا يهدأ في رصد اولئك المهربين ويقبضون على العشرات منهم يصادرون بضاعتهم لكن سرعان ما يعودون مرة اخرى الى ما كانوا عليه.
«المقوات»
ولرصد اكبر قدر من المشاهد قمنا بإيقاف السيارة عند احد اسواق القات والتي يسمونها "المقوات" ودخلنا بحجة شراء حبة قات. المقوات كان عبارة عن حوش كبير تدخله مشيا على الاقدام من خلال بوابة حديدية لترى مروجي القات قابعين على الارض او داخل غرفة صغيرة اشبه بدكان صغير سأل مرافقي احد اولئك الباعة الذي كان يحمل في يده حزمتين من القات .. هل لديك قات جيد، وفي صمت فتح لنا احدى تلك الحزمتين.. وقال: بـ 150 ريالا. بعد ان سأله عن سعرها. واضاف هذا كل ما في السوق فالقات لم يصل بعد. تركناه وذهبنا الى واحد بجواره فردد نفس الحديث. فقاطعنا احد المروجين قائلا: القات لم يصل بعد وهذا ليس موعد وصوله فرجال حرس الحدود يقفون متربصين انتظروا الى وقت الغروب اذا اردتم القات الجديد.
فالمهربون لا يتسرعون في نقل بضائعهم حتى تغرب الشمس وتصعب الرؤية ليتسللوا من بين الاشجار واكوام التراب ليصلوا بها الى الجانب السعودي. واشار مرافقي طالبا مني النظرالى مجموعة من المهربين يجلسون على الجانب اليمني بين اكوام التراب منتظرين لحظة مناسبة للمرور.
تركنا السوق وذهبنا الى سوق اخر ولكن لم يكن حوشا مسورا كالاول بل كان مكشوفا تحيطه ثلاثة منازل. وقفنا ننظر الى الزبائن والباعة وهم يتبادلون الفاظ البيع والشراء. لكن لم الحظ واحدا من الزبائن قام بالشراء الى ان نطق احد المارة مخاطبا الجميع.. انتظروا بعد المغرب فالقات يحاصره رجال حرس الحدود عودا بعد ان تغيب الشمس.
المكان يوحي بالحركة والركض مستمر من جانب حرس الحدود الذي يمشط المكان ومن جانب المهربين والمروجين وجميعهم من اليمنيين.
احواش الترويج
كثيرة هي الاشياء التي لفتت انتباهي وكثيرة هي الاسئلة التي كنت ابحث عن اجابتها لكن ما كنت استغربه هي تلك الاحواش التي يسكنها المتخلفون اليمنيون. ذلك السؤال وجدت اجابته عند احد الزبائن الذين قدموا من قرى ومحافظات بعيدة. قال: هذه الاحواش جميعها لسعوديين يقومون بتأجيرها على مجهولين يمنيين مقابل مبالغ باهظة وهي تنقسم الى قسمين منها ما يكون لتنزيل القات القادم من الحدود وهناك يوزع على الباعة بحيث يأخذ كل واحد نصيبه حسب السيولة المالية التي بحوزته ومن ثم يقومون بدورهم لنقلها الى الاسواق القريبة المجاورة وقال ايضا: عدد اسواق القات في المصفق والتي تسمى بالمقوات سبعة اسواق يباع فيها القات لكل من قدم بغرض الشراء دون تحفظ. فالخطورة تزول بمجرد ان يدخل القات الى هذه الاحواش.
الحمير المهربة
الزائر للمصفق لا بد ان يستوقفه منظر الحمير ويسأل عن اسباب كثرتها. اعدادا كبيرة رصدناها تشق طريقها من الحدود اليمنية الى الحدود السعودية واعدادا اخرى كانت تقف بجوار الاحواش المخصصة لبيع القات. وعلمنا بأن الحمير في المصفق غالية الثمن فهي الوسيلة الامنة للتهريب. خاصة الحمير التي تشق طريقها بنفسها دون ان يقودها احد. ويستخدمها بعض المتسللين الذي يدخلون للحدود بغرض العمل. ويفوق سعر بعضها الـ 4000 ريال. حسب نوعية الحمار وفهمه للمهام التي يقوم لها. فمن ذكاء بعضها انها تقوم بالسير بمفردها بعد تحميلها كمية كبيرة من القات متجهة الى احد الاحواش المعروفة وهذا يسمى "شلح" حتى انه يختبئ عندما يرى احدى سيارات حرس الحدود ويكمل سيره بعد ان تختفي.
ونوع آخر يسمى "التنح" وهو حمار يقود صاحبه الى كثير من الخسائر كونه لايعرف طريق صاحبه ويظهر لرجال حرس الحدود. وهذا عادة ما يقوده صاحبه بنفسه.
ويقول علي الحكمي: هذه الحمير مزروع في قلبها الرعب والخوف من رجال حرس الحدود وبمجرد أن يراهم الحمار ينبطح على الأرض حتى لا يراه احد وهذا بسبب تدريب اصحابها لها حيث يعمدون على لبس زي مشابه لزي رجال حرس الحدود ثم يقومون بتعذيب الحمير وضربها الضرب المبرح واذا انبطحت على الأرض تركوها مما يجعلها تتعود على الانبطاح ارضاً كلما شاهدت احد رجال حرس الحدود أو الهروب بسرعة عن أعين رجال حرس الحدود في الغابات والأودية أو الصعود لقمم الجبال الشاهقة.
مخاطرة المصفق
لأن المصفق من اشهر اسواق القات في جازان وارخصها يفد اليها الباحثون عن القات من جميع قرى ومحافظات المنطقة. فمن جازان نفسها الى ابوعريش ومن صبيا الى صامطة لكن الشراء منها مخاطرة كبيرة فرجال مكافحة المخدرات والشرطة ينصبون النقاط في اماكن مختلفة وحرس الحدود وفرق المجاهدين لا يتوقفون عن العمل فكما يقول بعضهم: رغم الخطورة التي يتعرض لها الكثير الا انهم يأتون اليها بغرض الشراء فهي سوق خصب للقات ومرتع المتخلفين والمتسللين. وكل تلك المخاطرة من اجل اوراق خضراء قد تكلف الواحد خسارة مستقبله ووظيفته. ويطالب عدد من الاهالي الجهات المختصة بتكثيف الرقابة على احواش القات ومداهمتها بشكل مستمر بجانب تكثيف الرقابة على الحدود.
الشريط الحدودي
يقول احد سكان القرية: الشبك الحدودي الذي وضع مؤخرا على الحدود قلل كثيرا من اعداد المتسللين اليمنيين الى الاراضي السعودية وقلل ايضا من تهريب القات بشكل ملحوظ فقد كان القات يأتي على خمس او ست دفعات في اليوم والان قل الى مرتين او ثلاث في اليوم واصبح المهربون يشكون منه كثيرا فهو عائق امام تهريبهم ورغم ذلك يقوم بعضهم بشق بعض اطرافه والتسلل من خلاله. لكن بشكل عام اصبحت مشاكل المتسللين اقل من السابق. فسكان قرية المصفق كانوا يعانون كثيرا من اولئك المتسللين لاسيما ان بعضهم يرتكب جريمة سطو او سرقة ويفر هاربا الى الاراضي اليمنية بسهولة في لمح البصر.
ويقول اخر: لاحظنا الفرق الكبير قبل انشاء الشبك الحديدي على الحدود وبعده فقد اصبح القات اقل من السابق وحركة المهربين والمتسللين اقل مما كانت عليه اضافة لجهود رجال حرس الحدود والمجاهدين الذين يقفون بالمرصاد لهم فهم يعملون ليل نهار لإيقاف ذلك التسلل المخيف والذي يهدد القرية وجميع القرى المجاورة لها.
قرى اخرى
قرية المصفق ليست وحدها التي تعاني من جرائم المتسللين وتهريبهم بل حتى القرى المجاورة لها كالخوجرة ووعلان والموسم فجميعها تضم اسواقا للقات يديرها يمنيون مجهولون وان كانت بشكل يقل عن المصفق.
يقول احد سكان الخوجرة: المشكلة التي تعيشها المصفق تعيشها الخوجرة ايضا مهربون على مدار الساعة واعداد المتسللين تفوق اعداد سكان القرية واعتقد ان السبب الرئيسي تعاون بعض أهالي تلك القرى مع المتخلفين فلولا تلك الاحواش التي يؤجرونها لهم لما وجدوا مكانا يعرضون فيه بضاعتهم ولما استطاعوا شق طريق التهريب الى هنا. لكن بحث بعض المواطنين عن المال كيفما اتفق يعطي المتخلفين مجالا للعمل الممنوع هنا. ويعرض سكان القرى للخطر من وجود عمالة مخالفة لا يمنعها عن الجريمة شيء. لذا أرى ضرورة التشديد على تلك الاحواش ومتابعتها ومحاسبة كل من يقوم بالتعاون مع المتخلفين او التأجير لهم.
تسع دول عربية وافريقية تعاني من إدمانه
حمالة «المصفق» حمير مدربة تتوارى عند ظهور الدوريات وتواصل سيرها عند اختفائها
5 مايو 2008 - 21:59
|
آخر تحديث 5 مايو 2008 - 21:59
حمالة «المصفق» حمير مدربة تتوارى عند ظهور الدوريات وتواصل سيرها عند اختفائها
تابع قناة عكاظ على الواتساب
جولة: ابراهيم عقيلي