الحديث عن المثقف الكبير والمبدع المعطاء محمد بن أحمد عيسى العقيلي يأخذ أكثر من منحى نظرا لغزارة ثقافته وتنوع اهتماماته وكثرة ما قدمه للوطن وللثقافة العربية.. فهو الأديب والشاعر والخطيب المفوه والمؤلف والتاجر والحاصل على وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى من لدن خادم الحرمين الشريفين كثاني شخصية تحصل على هذه الجائزة الرفيعة بعد علامة الجزيرة المرحوم الشيخ حمد الجاسر. وفي هذه الحلقات سوف نلقي الضوء على الجوانب المختلفة للمؤرخ والأديب المثقف الراحل الذي توفي عن 86 عاما بعد معاناة مع المرض وذلك بغرض كشف المزيد عن الجوانب في شخصيته حيث يعتبر بعلمه الغزيد وابحاثه المتعمقة أحد الرموز البارزين بالمملكة والمنطقة.
ولد العقيلي عام 1336هـ بصبيا ودرس على يد المدرس محمد خميس باجبير -رحمه الله- ثم قرأ على يد والده مبادئ الفقه والنحو، ثم درس على يد الشيخ أحمد الأهدل بصبيا، ثم درس في حلقة الشيخ عقيل بن أحمد بجازان عمل بعد ذلك في وزارة المالية (فرع جازان) عام 1356هـ وتنقل في اداراتها المختلفة حتى وصل به العمل مديرا لقسم الايرادات عام 1369هـ وفي عام 1377هـ اختير للعمل بدار الأيتام بجازان ثم التحق بمكتب العمل وكذلك اختير عضوا بالمجلس البلدي والمجلس الاداري بمدينة جازان وفي عام 1395هـ أسس النادي الأدبي بجازان واستمر رئيسا له حتى عام 1400هـ، ثم طلب احالته الى التقاعد والتفرغ لادارة أعماله الخاصة والعلم والأدب والتأليف، كان رحمه الله عالما ومعلما -خطيبا وطبيبا- شاعرا وتاجرا له من الأبناء عشرة.
ويعد العقيلي من المجيدين الذين ارتبطوا بالأصالة الفكرية والاجتماعية بكل ما تدل عليه هذه الكلمة الى كونه قد جاوز الوطن العربي الى آفاق اخرى غاص في أعماقها فانعكست ظواهرها على مرآة فكره فكانت تلك القصائد التي ابدعها وصور فيها تلك الانعكاسات على موطنه وطبيعته.
من أبرز اصداراته: الأنغام المضيئة “شعر” 1392هـ، أفاويق الغمام “شعر” 1402هـ، ديوانين السلطانين دراسة وتحليل وتحقيق 1374هـ، الشاعر الجازاني ابن هتيمل دراسة وتحليل وتحقيق 1380هـ، الشاعر الجازاني ابن شاجر دراسة وتحليل وتحقيق 1385هـ، نفح العود في سيرة دولة الشريف حمود عبدالرحمن بن أحمد البهكلي وتكملة الحسن بن أحمد بن عاكش تحقيق ودراسة 1402هـ المخلاف السليماني في التاريخ السياسي والاجتماعي ثلاثة أجزاء 1378هـ، المعجم الجغرافي عن منطقة جازان 1389هـ، الأدب الشعبي في الجنوب دراسات ونصوص 1389هـ، الآثار التاريخية في منطقة جازان 1399هـ، أضواء اللهجات المحلية دراسات لغوية مقارنة 1403هـ، سوق عكاظ في التاريخ 1404هـ، الشيخ محمد بن عبدالوهاب حياته العلمية والعملية 1404هـ، وهو من الشعراء الرواد نشر الكثير من شعره في الصحف والمجلات المحلية وهذه بعض كتبه التي تجاوزت الثلاثين كتابا، وقد ترجمت له قصيدة بعنوان “بطولة ديجور” الى الفرنسية ونشرت في جريدة “لوموند”، لديه مكتبة عظيمة أهداها لجامعة الملك سعود بالرياض عام 1408هـ.
تم تكريمه بميدالية الريادة الذهبية من مؤتمر الأدباء السعوديين الأول الذي عقد عام 1394هـ، وكرم ايضا في المهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية ومنح وسام الملك عبدالعزيز من الدرجة الأولى من لدن خادم الحرمين الشريفين كثاني شخصية علمية تاريخية بعد علامة الجزيرة العربية حمد الجاسر.
وقد زود المكتبة العربية السعودية بعدة مؤلفات لها قيمة تاريخية وأدبية.
رجال في.. رجل
يقول عنه أكبر أولاده عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود الدكتور عبدالعزيز محمد العقيلي: كان رجالاً في رجل واحد له مواهب وقدرات غير عادية منحها له الله في عقله، فقد كان جادا صارما أو هكذا يبدو لكل من يقابله ومن يعرفه، ولكن اذا ركن للدعابة والفكاهة فكان يفسح لها مكانا ويعطي لها وقتا ولكن بقدر معلوم، وكان له فلسفة في الجد كما كان له فلسفة في الدعابة والفكاهة وكان رحمه الله يقول: ان الدعابة والمزاح اذا زادت تذهب بمروءة الرجل واذا زاد أمرها اصبحت سمجة أي لا طعم لها وحولت صاحبها الى رجل مزاح “اراجوز”.
كان رحمه الله مقلاً في ارتياد المجالس وزيارة الناس في حالات الأفراح أو المرض أو الموت، ومما أحفظ عنه قوله يابني “زرغبا تزدد حبا” وهذا المعنى يردده في بيت شعر “أرى الشمس قد زادت محبة.. على الناس ان ليست عليهم بسرمدي”.
واذا زار كان يخفف زيارته ولا يمكث إلا دقائق وفي هذا المعنى يقول: خير للمرء ان يترك مجلسه مبكرا بدلا من ان يغادر المجلس والجالسون قد استثقلوه، واذا جلس في وليمة -وقليل ما يغشي الولائم- كان أول القائمين وهو يردد حسب ابن آدم لقيمات يقيم بها أوده أو صلبه، اقتباسا من قول رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم.
الكرم والعصامية
ويضيف د. عبدالعزيز كان -رحمه الله- كريما مع من يحب ومن يصل ولا ينسى قريباً إلا ويتعهده بعطاء أو منحة أو هدية وهذه من الخصال التي تعلمناها منه رحمه الله واذكر اثناء دراستي في امريكا كنت لا أرجع من اجازتي إلا وأنا قد أخذت هديته الكريمة.
ومن كرمه رحمه الله انه أفرد في وصيته عطاء لمن لا يرثه.
وكان محبا للأطفال حباً عظيماً وحبه هذا للأطفال كان لا تنقصه اللغة أو الجنس أو اللون، واذكر أحد هذه المواقف في سويسرا ذلكم البلد الذي أحبه بشغف حيث كنا معه في قرية خارج مدينة جنيف وقد استأجرنا منزلا جبليا في تلك البلدة وكان رحمه الله يصحو مبكرا وينزل يوميا لحديقة المنزل لرعايتها بعناية فائقة وفي احدى المرات صحوت مبكرا ونزلت الى الحديقة فإذا به كان يداعب طفلا سويسريا بأبوية حانية وبعطف بالغ.
وقد بدأ والدي -رحمه الله- حياته باعتماده على نفسه فقد كان وحيد أبويه وليست له إلا أخت تكبره ولم يترك له و الده من حطام الدنيا إلا الشيء البسيط جدا وهو عبارة عن حصان.
الأديب الحكيم
ويضيف د. عبدالعزيز: استقى والدي حب الأدب من أبيه وكان دائما حافظاً لكل درر الشعر العربي القديم ولا تأتي مناسبة إلا ويستشهد فيها من غرر الشعر وقد حفظ رحمه الله ألفية ابن مالك في النحو وغيرها من الشعر القديم وكان ضليعا متمكنا في اللغة العربية الى حد لايجاريه فيه أحد من الاختصاصيين في هذا المجال كما كانت محاضراته في الجامعات السعودية ودواوين شعره أكبر شاهد على هذا التميز في اللغة.
أما في مجال البحث والتنقيب والسعي للمعرفة فكان وحيد زمانه في منطقته وكان لا يبخل بمال أو جهد في طلب مرجع أو مخطوطة أو كتاب أو اثر، وقد نقب وارتحل وسافر الى كثير من مناطق جازان وكان يحتفظ بكثير من أحجار وقطع أثرية تحتوي على نقوش وكتابات قديمة.
ويستطرد: وهو حكيم بشهادة الناس قبل شهادتي ولذلك هم الذين -أي الناس- من اطلقوا عليه هذه الصفة ، فقد كان يردد عليّ دائما: ان الانسان طبيب نفسه وحكيم نفسه، ويوضح هذا بأن الانسان اذا وجد ان شيئا يزعجه وان كان حلوا أو قريبا الى نفسه فعليه تركه في عموم الحياة وخصوصها، وكان يقول عن صحة الانسان: ان الحياة قصيرة وعلى المرء ان يأخذ حذره ويهتم بنفسه واذا وجد منغّصًا أو مكدراً في صحته فليبادر بالعلاج قبل ان يستفحل المرض ويصعب علاجه.. وكان يقول: ان الخلل أو المرض اذا لم يسع المرء لعلاجه في بدايته تولدت منه أمراض وأعراض كثيرة.
اذن هو حكيم في كل شيء وحكيم في علمه وكان يقرأ كل شيء في جميع مجالات العلوم والأدب والفنون وكان لديه نهم غريب للقراءة ولم أر في حياتي من يقرأ مثله ولعل ما لا يعرفه الناس عنه وهو ما جعلني أصفه بالحكيم ان له ذاكرة حافظة وما يقرأه لا ينساه واذكر انه كان يعطيني بشكل عشوائي أي كتاب من مكتبته ثم يقول لي كم يوماً يكفيك لقراءته فأقول له اسبوعان فيقول لي زاجرا: بل خمسة أيام فتنتهي الأيام الخمسة وأنا لم أتم القراءة فيطلبني سائلا: هل قرأت الكتاب فأقول نعم، خوفا من غضبه فيقول لي: ماذا في الصفحة “الفلانية” وهو لم يفتح الكتاب فأقول بخوف أتذكر ما في تلك الصفحة وانت لم تفتحها فيقول: نعم الصفحة تقول كيت وكيت ثم يعطيني الكتاب وافتح الصفحة وأجد فيها ما قاله، ولعل عضو مجلس الشورى البروفيسور قاضي مقبول يذكر مثل هذه المواقف مع والدي -رحمه الله- وآخرها عندما كان والدي على فراش المرض قبل يومين من وفاته فذكر لنا بوجود البروفيسور قاضي وزائرين من محبيه ان الواقعة الفلانية في كتاب المخلاف السليماني في الجزء كذا في صفحة كذا وكان كل ما ذكره صحيحا.
كان رحمه الله يقول “وطن نفسك دائما على عدم الانحراف مع الهوى وتريث في إقدامك على أي أمر وخذ المشورة ممن تثق به” ومن أقواله أيضا: “لا تجعل مالك كله في وعاء واحد أو نشاط واحد وادخر لنفسك فإنك لا تعلم ماذا يحصل غدا”.
وعن حياته الشخصية يقول د. عبدالعزيز لقد كان كريما مع نفسه وغير بخيل عليها فقد كان من أوائل الذين اقتنو سيارة في جازان وكان أنيقا مع نفسه وفي تعامله وفي ملبسه ولا يرضى بأن يلوث ملبسه بأي أذى حتى عندما كان على فراش المرض في آخر أيام حياته.
العـقـيـلي.. عـاشـق الشـعـر والكــرم
18 أبريل 2008 - 21:45
|
آخر تحديث 18 أبريل 2008 - 21:45
تابع قناة عكاظ على الواتساب
يرصدها: طه طواشي