من الإشكاليات التي تتردد السؤال الدائم “ أنت لا تبحث عن النظريات الفيزيائية في القرآن والسنة”! وكما يلخص ذلك هذا التساؤل الذي يطرحه أخي د.السيف في مقالته (هل المقصود يا ترى هو استنباط علم الرياضيات والطب.. إلخ من القرآن والسنة؟). وهذا ناشئ عن ما سبقت الإشارة إليه وهو “الخلط بين الحقل التوقيفي والاجتهادي
”, ففي علم أصول الفقه يفرق علماء الشريعة بشكل واضح بين “العقائد والشعائر” وبين “الشؤون المدنية”, فالعقائد والشعائر “توقيفية” لا تستمد إلا من نصوص الوحي فقط, فلا يجوز لمسلم أن يعتقد في الله أو أن يتعبد الله إلا بشيء منصوص عليه, أما العلوم والشؤون المدنية فهي “اجتهادية” بمعنى أنه لا يشترط أن تكون منصوصة في الوحي, بل يشترط فقط أن لا تعارض الوحي. ويوضح هذا التفريق ذلك الحوار الشهير الذي نقله ابن القيم حول “علاقة السياسة بالدين” ذلك أن السياسة حقل اجتهادي وليس توقيفيا, حيث يقول ابن القيم في إعلام الموقعين (فإن أردت بقولك “لا سياسة إلا ما وافق الشرع” : أي لم يخالف ما نطق به الشرع فصحيح, وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع؛ فغلط وتغليط للصحابة).
فالحقل التوقيفي يعني أن يكون الأمر “منصوصاً”, أما الحقل الاجتهادي فيشترط فيه فقط “عدم المعارض”, وهذا يعني أننا إذا تصورنا جيداً النظرية الأصولية في التفريق بين التوقيفي والاجتهادي فإن السؤال حول “استنباط الرياضيات والطب من القرآن والسنة” يبدو سؤالاً غير ذي معنى أصلاً ! وقد كان علماء الإسلام الكبار متتابعين على ذم تكلف استنباط العلوم المدنية من القرآن والسنة, لأن العلوم المدنية حقل اجتهادي وليس توقيفيا, والحقل الاجتهادي لا يشترط أخذه من الوحي, بل يشترط فقط أن لا يصادم الوحي, كما يقول الشاطبي في الموافقات (فقد تكلف أهل العلوم الطبيعية وغيرها الاحتجاج على صحة الأخذ في علومهم بآيات من القرآن وأحاديث عن النبي صلى الله عليه و سلم, كما استدل أهل العدد بقوله تعالى فاسأل العادين, وأهل الهندسة بقوله تعالى أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها, وأهل التعديل النجومى بقوله الشمس والقمر بحسبان...الخ)
والعلماء المعاصرون – والسلفيون منهم بالخصوص - يحذرون وينادون دوماً بالاحتراس والتحرز تجاه التكلف والتنقير في البحث عن شواهد قرآنية أو حديثية تدعم وتعزز المكتشفات العلمية المعاصرة.، وشخصيا طرحت هذا الاحتراز على الشيخ عبدالمجيد الزنداني، وعلى الدكتور زغلول النجار وهما رأسا ما يطلق عليه الإعجاز العلمي في القران والسنة، غير أنهما ردا عليّ بأنهم لا يثبتون الفرضيات بل النظريات القطعية التي برهنت علميا.
سأنتهي أخيرا بأن دعوى أخي د.السيف إذا كان المقصود فيها أن العلوم المدنية حقل اجتهادي يشترط فقط أن لا يصادم الوحي, فهذا معنى مقرر أصلاً في العلوم الشرعية, ولا جديد فيه, ولا يخالف فيه عالم شرعي واحد.
وإن كان مقصوده بأن البحوث المدنية يجوز أن تصادم معطيات وأخبار الوحي فهذا ببساطة يتناقض مع قوله تعالى في مطلع سورة البقرة {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} وقوله تعالى في سورة النساء {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثًا}.
النظرية الأصولية في التفريق بين التوقيفي والاجتهادي تحسم المشكلة
2 أبريل 2008 - 19:32
|
آخر تحديث 2 أبريل 2008 - 19:32
تابع قناة عكاظ على الواتساب
