استيقظ أهالي الأحساء فجرا قبل ست سنوات على أصوات دوي انفجارات ألسنة اللهب تلتهم كل ما تبقى لهم من تاريخ سوق القيصرية. ذلك المكان الذي كان يعيدهم إلى الطفولة وماضي الأيام. فالقيصرية بالنسبة للاحسائي ليس مجرد سوق للتبضع ولكنه تاريخهم العريق وذاكرتهم تعود بهم الى 400 عام مضت. لم تأت النيران على اركان القيصرية فقط بل حرقت كل من شاهد منظر النيران.. فقد استطاعت الكارثة ان تنهي اكثر من 250 محلا تجاريا تراثيا. وتحرق تصاميم تعود إلى مئات السنين، وتحديداً إلى ما قبل عام 1862م، وان كانت مصادر تاريخية تشير إلى ان السوق بني في عهد الدولة الجبرية التي كانت موجودة قبل 900 عام. في ذلك الوقت اكدت تحقيقات الدفاع المدني ان سبب الحريق هو عقب سيجارة رماها احد المارة فجرا. لكن الاسباب ظلت تختلف على ألسنة اهالي الاحساء حتى وان تهامسوا بها فيما بينهم فهم على يقين بأن الحريق كان بفعل فاعل، فهناك من كانت له مصلحة في حريق القيصرية. قال احد السكان: اصحاب المحلات في القيصرية من القديم هم انفسهم فلا يمكن لاحد ان يقوم باستئجار مكان له فقد يكون الفاعل احد الراغبين في السوق هو من قام بافتعال الحريق خاصة وان تلك المحلات تدر ذهبا على اصحابها ومما يزيد من تلك الشكوك ان الحريق اشتعل فجرا في وقت كان السوق مغلقا.
الامر الاخر الذي اثار الاهالي ان البلدية عندما أرادت إعادة بناء السوق قامت بهدمه بالكامل بما فيه الجزء الذي بقي من القيصرية ويقول السكان: كنا نتمنى ان تقوم البلدية بإزالة الجزء المتهشم وإبقاء مابقي من السوق كما هو وإعادة ترميمه بشكل جيد ليحافظ على تاريخ السوق القديم لكن هدمه بالكامل كان تشويها لتاريخ السوق.
عبدالله الشايب المهندس الاستشاري ورئيس جمعية علوم العمران بالاحساء من سوق القيصرية :
لم ينتبه الناس بمدينة الهفوف صباحاً إلا وكانت النيران قد امتدت إلى أطراف مبنى سوق القيصرية وذلك يوم الخميس 2 شعبان 1422هـ.
لم يكن الحريق صدمة قوية على الأهالي والمقيمين وزوار الأحساء وحسب، بل على مستوى المملكة والخليج لأنه كان يمثل عصباً اقتصادياً واجتماعياً وتراثياً وقد كان للتفاعل الرسمي والشعبي أثره في دعم فكرة إعادة إعمار هذا السوق.
تدهور قبل الكارثة
  وقد تدهورت حالة القيصرية في الفترة الأخيرة (أي قبل الكارثة) بتسارع كبير ويمثل جزءا كبيرا من هذا التدهور ازالة التشريفة من الواجهة وعدم صيانة الحوائط والواجهات بل تعداها الى نحت الأجزاء الداخلية منها واختراق الأسقف لعمل مستودعات على الحوانيت وعندما ينهار جزء من السقف فإنه يعاد بالهنجر وهكذا.
  علماً أن الناحية السوقية للموقع ظلت عالية جداً. 
وعن خصائص القيصرية عمرانيا قال الشايب:
تشكل القيصرية بيئة عمرانية تسويقية لضخامة المبنى وتشعباته (حتى لو نظر اليه بالمقاييس الحديثة).
كما يمثل أنموذجاً فريداً على مستوى الجزيرة العربية من حيث التصميم المعماري.
واما اقتصاديا فهو أكبر سوق مغطى في المملكة والخليج مما جعله بؤرة اقتصادية ومركزاً حيوياً ولازال أثره حتى وقتنا الحاضر. وتاريخيا فهو يرجع الى عدة قرون مما يجعلها من أقدم الأسواق المعمرة والعامرة.
ويعد إنجازاً حضارياً فذاً على مستوى الجزيرة العربية. واثباتاً تاريخيا للإنجازات المتعاقبة وآخرها الإضافات في عهد الملك عبدالعزيز "رحمه الله" .
ويقول المؤرخ ورئيس النادي الادبي عبدالرحمن الملا ان القيصرية يعتبر اول شركة انشئت في عهد الملك عبدالعزيز رحمه الله اذ قام طيب الله ثراه في تلك الايام بتقديم الارض لمستثمرين وتجار قاموا ببناء السوق وتأجيره لمن يرغب مقابل توزيع ريع السوق بين المستثمرين.
إعادة البناء
ويقول المهندس عبدالله الشايب عن عملية اعادة بناء السوق:
كان من حسن حظي ان يتم تكليفي من قبل محافظ الأحساء ان أرأس اللجنة المكلفة لدراسة خيارات اعمار القيصرية بعد الحريق بيومين فقط . حيث كان صدى الحريق واضحاً من التفاعل الرسمي من سمو الأمير محمد بن فهد أمير المنطقة الشرقية والأمير بدر بن محمد بن جلوي محافظ الأحساء حيث أمر بتشكيل لجنة بتاريخ 3شعبان 1422هـ بعد يوم واحد من الحريق – مكونة من جامعة الملك فيصل وبلدية الأحساء وفرع الجمعية السعودية لعلوم العمران بالأحساء على أن تقوم الأخيرة بالتنسيق لهذه الاجتماعات وذلك بغرض وضع خيارات التصميم في 11/8/1422هـ وصدرت توجيهات محافظ الأحساء بالبدء بالعمل وقد تم الاجتماع الأول بتاريخ 12/8/1422هـ والذي تم التأكيد فيه على ضرورة اعادة  إعمار القيصرية بما يحفظ قيمتها التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية ولاحقاً تم التأكيد على ضرورة المحافظة على حدود الملكيات وقدمت الجهات المختلفة تصوراتها حول اسلوب اعادة اعمار القيصرية.
وكذلك على وجه العموم أكدت التقارير على ضرورة مراعاة نواحي الأمن والسلامة عند التصميم... الخ.
  وكان لزيارة سمو الأمير سلطان بن سلمان الأمين العام للهيئة العليا للسياحة لمدينة الهفوف بتاريخ 7/8/1422هـ والاطلاع عن كثب على الدمار الذي لحق بالقيصرية اثره في دعم مسيرة اعادة الاعمار وقد حضر جانباً من الاجتماعات مندوباً عن الهيئة العليا للسياحة وقد كان الخيار النهائي الذي اعتمد هو الخيار الأول باعتماد إعادة الإعمار بمواد من البيئة. وتولت بلدية الاحساء بعد ذلك طرح مشروع التصميم حيث تم ترسيته على أحد المكاتب الاستشارية في شهر جمادى الأولى 1423هـ بتمويل من الغرفة التجارية.
وقد تم اقامة مشروع  القيصرية الآن في نفس المكان لكن مما يحز في النفس انه تم ازالة الأجزاء التي بقيت بعد الحريق وخاصة القناطر الأمامية.
وقد أتى التصميم الى حد ما وبنسبة 70% مراعيا للتوزيع والملكيات من جهة فيما عدا انشاء ساحات واستقطاع جزء لمسجد لم يكن موجودا بالأساس
والمهم انه لم يتم التقيد بإعادة الإعمار بمواد البيئة بشكل كامل  وخاصة فيما يتعلق بالحوائط الحاملة وايضا الاستخدام الجاري الآن للياسة بالإسمنت والأولى ان يكون بالجص لخصائص الجص سواء البيئية او الجمالية وكذلك فإن تصميم المسجد غير منسجم مع تراث الأحساء وهو امر يلزم تداركه وذلك ممكن ويضيف: اقرار اعادتها على انه تراث عمراني يسجل سابقة جميلة في الأحساء تضاف الى الجهد الذي بذلناه  بالنسبة للمدرسة الأميرية مع مؤسسة التراث  بقيادة الأمير سمو سلطان بن سلمان وجمعية علوم العمران وادارة الآثار وغيرها .
يقينا ان احياء المدينة القديمة من شأنه ان يعزز مكانة القيصرية مرة ثانية ويساعد في اعادة النضج الى وسطها وخاصة الحركة السياحية والإقتصادية  بتميز الهفوف ايضا بوجود قصر ابراهيم باشا وبيت البيعة  ومسجد الدبس ورباط ابو بكر وايضا منشآت عصرية جميلة كمسجد ابي خمسين والفوارس مول .
خطأ فادح
وقال الباحث التاريخي خالد بو فريدة: انه تقرر ان تشيد الاسقف بخشب الاثل
وهذا خطأ فادح إذ أن هذه الأخشاب لا تناسب جو الأحساء لذلك لم يستخدمها الأهالي في البناء بالرغم من توفرها وبكثرة وقلة ثمنها وذلك لأنها لاتناسب جو الاحساء الرطب في بعض فصول السنة مما يجعلها عرضة للتآكل والتقوس وللحشرات وخاصة الأرضة وقد كان الناس يفضلون الدنكل بالرغم من غلاء ثمنه ومشقة استيراده ثم يضعون فوقه الباسكيل لكي يوزع الحمل بالتساوي على كافة السقف وليعطي منظراً جميلاً ثم يضعون البواري وهي حصر تستورد من الخارج ثم الجريد أو البوص أو المداد ثم الطين . وأخيراً استخدمت المرابيع الحمراء المغطاة بالالواح المستطيلة ويمكن أن يختار أحدها وهي أفضل من ألواح الأثل بمراحل أو استخدام الجذوع وهي التي كانت مستخدمة في أجزاء كبيرة من القيصرية. ومضى بو فريدة إلى القول بالنسبة للأرضيات سوف يتم تركيب جرانيت بألوان الرمادي المطعم بجرانيت أحمر .
وهذا سوف يؤدي إلى ظهور ألوان جديدة لا تتناسب مع ألوان الجدران والأفضل استخدام الحجر المركب بالطريقة العشوائية لأنه أقرب لطبيعة المواقع الأثرية.
و سوف يتم دهان الحوائط الداخلية وواجهات المبنى بدهانات بلاستيكية . واكد ان الأفضل لياسة المبنى من الخارج بمواد مناسبة ضد الرطوبة وعوامل التعرية وعدم استخدام الدهانات لأنها بذلك سوف تؤثر على الشكل الحقيقي الأصلي للواجهات وسوف يتغير نهائياً الشعور بقدم الموقع .