العديد من الكوادر الجامعية المنسوبة للجامعات وكذلك الكوادر العلمية والطبية العاملة في المستشفيات والمراكز العلمية، وهي كوادر قضت سنوات طويلة للحصول على أعلى الدرجات الأكاديمية من أرقى الجامعات العالمية بعد رحلة طويلة بدأت باثني عشر عاماً في مراحل التعليم العام وأعوام أخرى في الدراسة الجامعية ثم تحضير الماجستير والدكتوراه في مجالات صعبة تحتاجها الأوطان، العديد من تلك الكوادر يهفو أصحابها بعد عملهم لسنوات قليلة في مجالات تخصصهم العلمي أو الطبي، إلى الأضواء المصاحبة للمناصب الإدارية لأنه يعتقد أن عمله المرتبط بتخصصه لن يجلب له أضواء الصحافة والإعلام، فنجد الواحد منهم يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تسنم منصب إداري في منشأة طبية أو علمية فيصبح بعد ذلك بعيداً عن تخصصه الثمين مشغولاً بالأوراق والمعاملات والهموم الإدارية اليومية التي قد يغرق فيها وينسى ما تعلمه أو على الأقل لا يستطيع متابعة ما استجد فيه من تطور وبحوث واكتشافات جديدة.

وواقع الأمر إن تحول طبيب استشاري ناجح ومتفوق في مجاله الطبي كأن يكون جراحاً أو مختصاً في أمراض الكبد أو القلب أو الكلى أو الأمراض المزمنة المرتبطة بالغدد الصماء عموماً أو تحول عالم في مجال الطاقة المتجددة أو تقنية النانو أو الاستخدام السلمي للطاقة الذرية، أو غيرها من المجالات العلمية المعتبرة، إلى إداري يدير منشأة طبية أو علمية يعد خسارة لا تعوض للمجال الذي تركه ذلك الكادر، لأن العمل الإداري الذي تقلده بحثاً عن الأضواء يمكن أن يقوم به من هو أدنى منه في مجاله، أما المجد الحقيقي فهو أن يستمر في المجال الذي تخصص فيه وأن يتابع مسيرته العلمية بحثاً واكتشافاً ومتابعة لكل جديد ومشاركة في المؤتمرات العلمية والطبية وتسجيل إنجاز أو المشاركة في تسجيل إنجاز يخدم وطنه بصفة خاصة والبشرية بصفة عامة، وهذا هو النهج الذي يسعى إليه ويتمسك به النادرون من الأطباء والعلماء غير آبهين بكونهم في مختبراتهم ومراكز بحوثهم بعيدين عن أضواء الإعلام، بل إن الأضواء الحقيقية والدائمة هي التي قد يحظون بها عندما يصبح اسم الواحد منهم علماً في مجاله، يذكر فيشكر ويتواصى الناس بمراجعته فيما يخص صحتهم وحياتهم وعلى المستوى العالمي، فلو أن الذين حصلوا على جوائز نوبل في مجالات الطب أو العلم كان همهم منذ البداية الأضواء الإعلامية لما حصل أحد منهم على الجائزة؛ لأنهم سيكونون قد شغلوا أنفسهم بالمراكز الإدارية والتصريحات الصحفية!

* كاتب سعودي