يتساءل الأستاذ «حسان أيو» في مقال له حول المواطنة فيقول: ما المواطنة؟ وهل نستطيع أن نطبق هذا المفهوم في مجتمعاتنا التي ما زالت ولاءاتها متبلورة حول العرق والجنس والأثني والقومي والديني والمذهبي؟ مبتعدين كل البعد عن مفهوم المواطنة التي تنطوي تحت مفهوم الانتماء للدولة وليس لشيء آخر.
في نظره أن المواطنة بشكل بسيط وبدون تعقيد هي انتماء الإنسان إلى بقعة أرض، أي الإنسان الذي يستقر بشكل ثابت داخل الدولة أو يحمل جنسيتها ويكون مشاركاً في الحكم ويخضع للقوانين الصادرة عنها ويتمتع بشكل متساوٍ مع بقية المواطنين بمجموعة من الحقوق ويلتزم بأداء مجموعة من الواجبات تجاه الدولة التي ينتمي لها، ومن هذا المنطلق نستطيع أن نتعمق في مفهوم المواطنة وما يترتب عليها من أسس وكيفية منح المواطنة وغير ذلك من مفاهيم لم نمارسها في حياتنا اليومية، فالمواطن هو الإنسان الذي يستقر في بقعة أرض معينة وينتسب إليها، أي مكان الإقامة أو الاستقرار أو الولادة أو التربية، أي علاقة بين الأفراد والدولة كما يحددها قانون تلك الدولة وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة.
وهناك من يفرق بين المواطنة والوطنية ويعتبر أن المواطنة هي جزء من الوطنية وليس العكس، بل إن الوطنية هي أعلى درجات المواطنة في نظر البعض. فالوطنية حسب الموسوعة العربية العالمية كما جاء في بحث للدكتور عثمان صالح العامر هي (تعبير قويم يعني حب الفرد وإخلاصه لوطنه الذي يشمل الانتماء إلى الأرض والناس والعادات والتقاليد والفخر بالتاريخ والتفاني في خدمة الوطن). ويوحي هذا المصطلح بالتوحد مع الأمة، وفي اللغة الإنجليزية جاء في قاموس أكسفورد تعريف الوطني (Patriot) وهو الشخص الذي يحب بلده وعلى استعداد أن يدافع عنها، لذلك فالوطنية (Patriotism) تعني الإحساس بالوطن وامتلاك الصفات الوطنية من حب ورغبة في الذود عنه.
وبغض النظر عن الفروق بين مفهومي المواطنة والوطنية؛ إلا أن هناك جملة من التحديات الداخلية والخارجية يطرحها عدد من المفكرين تواجه مفهوم المواطنة في عالمنا العربي والاسلامي وتستدعي من المؤسسات التربوية العناية وإدراك خطورتها ومن أهمها:
أولا: يقول الأستاذ شتيوي الغيثي في مقال له بجريدة الوطن إن مبدأ المواطنة من المبادئ المهمة في تلاحم المجتمعات في ما بين بعضها البعض، أو في ما بينها وبين الممثلين للسلطة فيها، والعمل على تكريس المواطنة هو المواطنة الحقيقية في رأيي، ومحاولة تأصيل مبدأ المواطنة في المجتمع العربي عموماً والمحلي خصوصاً تقوم على إعادة الرؤية في الكثير من القضايا الفكرية والسياسية والإشكالات التي يطرحها مبدأ المواطنة. من هنا يصبح العمل الحقيقي هو في تبني مشروع كامل وطموح من قبل النخب الفكرية والسياسية. ليس على مستوى التنظير؛ بل وعلى مستوى العمل التطبيقي الجاد في تحقيق المواطنة والوحدة الوطنية.
ويرى الغيثي أن حاجتنا العملية لتأصيل مبدأ المواطنة في المجتمع السعودي على الأقل تفرض علينا جميعاً العمل على التأصيل لمفهوم المواطنة فكراً وممارسة على كافة الأصعدة: الرسمية منها وغير الرسمية.. يكون فيها المواطن هو الهدف الأول في عملية الإصلاح وتحقيق مبدأ المواطنة، كونه الرجل الأول المعني في تحقيق الوحدة الوطنية، فغيابها عن المواطن مفاهيمياً وتبنياً سلوكياً هو غياب للوحدة الوطنية عامة؛ لأن المواطن بكافة أشكاله: النخبوية والجماهيرية هو العامل الحقيقي في تحقيق مبدأ المواطنة في المجتمع.
ثانيا: يرى البعض أن الاهتمام بقضية المواطنة يفرضه تزايد المشكلات العرقية والدينية في أقطار كثيرة من العالم، وتفجر العنف بل والإبادة الدموية، ليس فقط في بلدان لم تنتشر فيها عقيدة الحداثة من بلدان العالم الثالث بل أيضاً في قلب العالم الغربي أو على يد قواه الكبرى، بدءاً من الإبادة النازية لجماعات من اليهود، ومروراً بالإبادة النووية في هيروشيما، ومؤخراً الإبادة الصربية للمسلمين، والإبادة الأمريكية للعراقيين وللأفغان، والإبادة الجارية للفلسطينيين.
ثالثا: يشير البعض أن بروز فكرة "العولمة" التي تأسست على التوسع الرأسمالي العابر للحدود وثورة الاتصالات والتكنولوجيا من ناحية أخرى، والحاجة لمراجعة المفهوم الذي قام على تصور الحدود الإقليمية للوطن والجماعة السياسية وسيادة الدولة القومية، وكلها مستويات شهدت تحولاً نوعياً.. مما يستدعي العناية بمفهوم المواطنة وتكريسه في المجتمع حفاظا على الكيان الموحد للمجتمع وللوطن.
رابعا: يرى البعض أن عملية الانفتاح الثقافي الذي تعددت آلياته ووسائله لتخاطب الشباب عن بعد وتقدم العديد من التفسيرات والتأويلات المنحرفة أو الملتوية للأحداث الإقليمية والدولية، وتسلط الضوء على قضايا مجتمعية تمس جوهر هذا المفهوم لدى الفرد السعودي، وتعرض إطاراً مفاهيمياً مغلفاً بشعارات تأخذ بالمشاعر وتؤثر على مسارب تفكير العقول، خاصة لدى فئة الشباب ومن هم في سن القابلية للاحتواء أو الاختطاف الفكري والثقافي بحكم خصائص المرحلة العُمرية التي يعيشونها، ويثير ذلك جدلاً في الأوساط السياسية والدينية والتربوية حول مدى تأثر مفهوم المواطنة لدى الشباب بهذه الأفكار التي يحملها الأثير عبر الحدود، ودور مؤسسات المجتمع في الحفاظ على البنية السليمة لوعي المواطن وممارسته للمواطنة.
خامسا: يرى البعض أن الاهتمام بقضية المواطنة وتكريسها أمر يفرضه ما تعرض له المجتمع السعودي من أحداث مؤلمة من جراء ما فعلته بعض الفئات الضالة من الشباب المنحرف عقيدة ومسلكاً بما فعلوه من التكفير والتفجير الذي لا يمت للدين الصحيح بصلة، بل يناقضه كل المناقضة، بل يعتبر شذوذاً عن عموم هذا الشعب المسلم الذي عرف بالتدين الفطري والولاء والطاعة لحكامه وولاة أمره.
Dr_Fauzan_99@hotmail.com